بعد نحو تسعة عشر عاماً على الغارة الإسرائيلية التي دمرت منشأة غامضة في محافظة دير الزور شرقي سوريا، بدأت تتكشف بصورة أوضح طبيعة أحد أكثر الملفات سرية في عهد الرئيس السابق بشار الأسد.
فقد أعلن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، الاثنين 7 سبتمبر/أيلول 2026، أن المفاعل الذي كان قيد الإنشاء في سوريا قبل أن تدمره إسرائيل عام 2007 كان قد اقترب من الاكتمال، وأن تصميمه كان من النوع القادر على إنتاج مواد انشطارية يمكن استخدامها بصورة مباشرة في تصنيع أسلحة نووية.
وقال غروسي إن الوكالة لا تستطيع أن تحكم بشكل قاطع على النوايا النهائية للنظام السوري السابق، إلا أن الطبيعة السرية للمشروع والخصائص التقنية للمفاعل تثيران أسئلة خطيرة حول الغاية التي كان يُبنى من أجلها.
وبحسب الوكالة، فإن تصميم المفاعل كان فعالاً بصورة خاصة في إنتاج المواد الانشطارية التي يمكن استخدامها في الأسلحة النووية، وهو ما يجعل المشروع يتجاوز، من الناحية التقنية على الأقل، فكرة إنشاء منشأة تجريبية عادية للطاقة النووية.
ليس اكتشافاً جديداً… بل حلّ لغز قديم
من المهم التمييز بين ما كان معروفاً سابقاً وما أضيف إلى الملف اليوم. فمنذ عام 2011 كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد توصلت إلى أن المبنى الذي دمرته إسرائيل في موقع دير الزور كان، «على الأرجح بدرجة كبيرة»، مفاعلاً نووياً كان ينبغي على سوريا الإعلان عنه بموجب اتفاق الضمانات النووية.
وفي يونيو/حزيران من العام نفسه، ذهب مجلس محافظي الوكالة أبعد من ذلك، واعتبر أن عدم إعلان سوريا عن بناء المفاعل يشكل إخلالاً بالتزاماتها في إطار اتفاق الضمانات المرتبط بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. كما أحالت الوكالة القضية آنذاك إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.
لكن دمشق في عهد بشار الأسد ظلت تنفي أن تكون المنشأة مفاعلاً نووياً، وقالت إن الموقع كان منشأة عسكرية غير نووية، كما نفت وجود تعاون نووي مع كوريا الشمالية. وبقي الملف عالقاً سنوات طويلة بسبب محدودية وصول مفتشي الوكالة وعدم حصولهم على إجابات كافية عن عدد من المواقع المرتبطة بالمشروع.
ما الذي تغير بعد سقوط الأسد؟
التحول الحقيقي بدأ بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. فالسلطات السورية الجديدة سمحت للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول إلى مواقع لم يكن مفتشوها قادرين على التحقيق فيها بصورة كاملة سابقاً، وبدأت بتزويد الوكالة بمعلومات تتعلق بالبرنامج النووي الذي أقيم خلال الحقبة السابقة.
وخلال عمليات تفتيش أجريت في أغسطس/آب 2026، تمكن المفتشون من الوصول إلى موقع دير الزور وإلى مواقع أخرى مرتبطة به، لتصف الوكالة ما تحقق بأنه «اختراق تاريخي» في التحقيق ببرنامج سوريا النووي السري السابق.
وأظهرت التحقيقات أن القضية لم تكن تقتصر على مبنى مفاعل في الصحراء السورية، بل كانت هناك بنية أوسع مرتبطة بالمشروع. فالوكالة أكدت وجود منشأة لتصنيع الوقود النووي الذي كان معداً للمفاعل، إضافة إلى موقع آخر خُزنت فيه مواد نووية وفضلات وبقايا يورانيوم.
73 طناً من اليورانيوم
ربما يكون التطور الأكثر إثارة في التحقيق الجديد هو العثور على نحو 73 طناً مترياً من اليورانيوم الطبيعي المعدني، كان جزء كبير منها على شكل وقود مخصص للمفاعل. وهذه المادة ليست سلاحاً نووياً بحد ذاتها، ولا يمكن ببساطة استخدامها مباشرة لصنع قنبلة نووية، لكنها تصبح شديدة الأهمية عند إدخالها في نوع مناسب من المفاعلات.
فأثناء تشغيل المفاعل يمكن أن يتحول جزء من اليورانيوم إلى بلوتونيوم، ثم يمكن، إذا توافرت منشآت وتقنيات إضافية لإعادة المعالجة، فصل البلوتونيوم واستخدامه في صناعة سلاح نووي.
ولهذا فإن أهمية الكشف لا تكمن في القول إن سوريا كانت تمتلك قنبلة نووية، وإنما في أن البنية التقنية التي كانت تبنى يمكن أن تشكل جزءاً أساسياً من مسار يؤدي في النهاية إلى إنتاج المادة المطلوبة لصنع السلاح.
كانت الوكالة قد رصدت منذ التحقيقات الأولى مجموعة من الخصائص التي جعلت تفسير دمشق للموقع موضع شك. فموقع دير الزور يقع في منطقة قليلة السكان وقريبة من نهر الفرات، ما يؤمن مصدراً للمياه اللازمة لتبريد المفاعل، كما أن طبيعة المنشأة والبنية التحتية للمياه وتصميم المبنى كانت تتوافق مع خصائص المفاعلات النووية.
وعندما أخذ مفتشو الوكالة عينات من الموقع عام 2008، عثروا على جسيمات من اليورانيوم الطبيعي خضعت لمعالجة بشرية، إضافة إلى الغرافيت والفولاذ المقاوم للصدأ، وهي مواد يمكن أن تكون متوافقة مع بناء مفاعل يعمل بالغرافيت وتبريد الغاز. ورأت الوكالة لاحقاً أن تفسير دمشق لوجود جزيئات اليورانيوم لم يكن مقنعاً من الناحية التقنية.
الغارة الإسرائيلية عام 2007
في سبتمبر/أيلول 2007 شنت طائرات إسرائيلية عملية جوية سرية استهدفت المنشأة في منطقة الكبر بمحافظة دير الزور. ولسنوات التزمت إسرائيل الصمت بشأن العملية، قبل أن تقر رسمياً عام 2018 بأنها هي التي دمرت المنشأة. وبحسب المعلومات التي وصلت لاحقاً إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كان المفاعل لا يزال قيد الإنشاء ولم يبدأ العمل عند تعرضه للقصف. كما أشارت التقارير إلى احتمال مشاركة كوريا الشمالية في بناء المشروع، وهو أمر نفته دمشق سابقاً.
لكن ما يزيد الشكوك حول تعامل النظام السابق مع الموقع هو أن الأنقاض أزيلت بعد الغارة بسرعة، وأجريت أعمال واسعة لتسوية الأرض، وهو ما أدى إلى إخفاء جزء كبير من الأدلة التي كان يمكن استخدامها لاحقاً في التحقيق الدولي. وغروسي أشار الآن إلى احتمال أن تكون السلطات السورية السابقة قد قامت حتى بتفجيرات إضافية في الموقع بعد الغارة بهدف عرقلة أي تحقيق مستقبلي، مع استمرار أعمال الحفر الحالية بحثاً عن أدلة إضافية.
هل كان الأسد يصنع قنبلة نووية؟
الإجابة الدقيقة حتى الآن هي: لا توجد أدلة معلنة تثبت أن سوريا وصلت إلى مرحلة تصنيع سلاح نووي أو أنها اتخذت قراراً نهائياً بإنتاج قنبلة.
غروسي نفسه كان حذراً في هذه النقطة، وقال إنه لا يستطيع الحكم على نيات السلطات السورية السابقة. لكن ما بات أكثر وضوحاً هو أن البرنامج لم يكن مجرد مشروع مدني معلن للطاقة النووية.
فالمفاعل أنشئ بصورة سرية، ولم يبلغ به مفتشو الوكالة، وكان من النوع القادر على إنتاج مواد يمكن استخدامها في الأسلحة، كما أن سوريا كانت تصنع الوقود الخاص به محلياً. وهذه العناصر مجتمعة تفسر لماذا اعتبرت الوكالة الدولية القضية منذ عام 2011 خرقاً لاتفاق الضمانات النووية. وبالتالي فإن الفارق مهم بين عبارتين:
«سوريا كانت تمتلك سلاحاً نووياً» — وهذا غير مثبت.
و**«سوريا كانت تبني بصورة سرية بنية نووية كان يمكن استخدامها لإنتاج مواد لصنع سلاح نووي»** — وهذا أصبح الآن مدعوماً بأدلة أقوى بكثير مما كان متاحاً سابقاً.
ملف يكشف جانباً آخر من بنية الدولة السرية
سياسياً، يتجاوز الكشف الجديد مسألة المفاعل نفسه. فهو يقدم مثالاً آخر على الطريقة التي كانت تدار بها بعض الملفات الاستراتيجية خلال حكم الأسد بعيداً ليس فقط عن المجتمع السوري، وإنما أيضاً عن المؤسسات الدولية التي ترتبط سوريا معها بالتزامات قانونية واضحة.
سوريا كانت دولة طرفاً في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وبالتالي كان يتوجب عليها إخضاع المواد والمنشآت النووية لنظام ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. إلا أن التحقيق الحالي يشير إلى أن منشأة كاملة تقريباً بُنيت، وأن وقوداً نووياً صُنّع لها، بينما استمرت دمشق سنوات في نفي طبيعتها النووية.
ولهذا فإن التطور الأهم في قصة دير الزور اليوم ليس أن العالم اكتشف فجأة أن الموقع كان مفاعلاً نووياً، فهذا كان الترجيح الدولي منذ سنوات.
الجديد هو أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية باتت، بعد وصولها إلى المواقع والمواد والمعلومات التي كانت محجوبة عنها، قادرة على الانتقال من مرحلة الاشتباه التقني إلى مرحلة إعادة تركيب البرنامج نفسه: أين كان المفاعل، أين صُنع الوقود، أين خُزنت المواد، وكم كانت كمية اليورانيوم الموجودة.
وبعد نحو عقدين من الغارة الإسرائيلية، يبدو أن أحد أكثر أسرار عهد بشار الأسد حساسية بدأ أخيراً يفقد غموضه.
والمفارقة أن المفاعل الذي دُمّر قبل أن يبدأ العمل قد يستمر، بعد تسعة عشر عاماً، في إنتاج تداعيات سياسية وقانونية تتعلق بتاريخ النظام السابق، وبمصداقية سوريا الدولية، وبكيفية معالجة السلطات الجديدة لإرث برنامج نووي بقي مخفياً عن السوريين والعالم لسنوات طويلة.

