شهدت الأوساط الإعلامية والسياسية المهتمة بالشأن السوري مؤخراً موجة واسعة من الشائعات والتكهنات عقب تسريبات تفيد بوجود مشروع قرار أمريكي جديد يقضي بتقديم دعم عسكري للحكومة السورية الانتقالية. وفي محاولة لضبط المشهد وقراءة المعطيات بلغة وثائقية بعيدة عن “الاجتهادات الشخصية” بهدف حصد المشاهدات، خرج الباحث والإعلامي عصام خوري في برنامجه الجيوسياسي ليفكك بنود هذا المشروع ويوضح أبعاده الحقيقية.
1. الإطار القانوني: مشروع تفويضي وليس قراراً نهائياً
في البداية، يجب تصحيح اللغط السائد حول طبيعة هذا القرار؛ فالأمر لا يتعلق بمرسوم رئاسي أو قرار خاص بسوريا وحدها، بل هو مشروع قانون تفويضي من وزارة الدفاع الأمريكية للسنة المالية 2027 (NDAA – FY2027).
وقد خرجت هذه المسودة تحديداً من لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي (SASC) بتاريخ 11 حزيران/يونيو 2026، بعد تصويت نال موافقة 9 أعضاء من أصل 18. هذا يعني قانونياً أن المشروع ما زال في مراحله الأولية؛ إذ يحتاج أولاً إلى تصويت كامل مجلس الشيوخ، ثم مطابقتة مع نسخة مجلس النواب، وصولاً إلى التصويت النهائي وتوقيع الرئيس الأمريكي ليدخل حيز التنفيذ.
2. الجوهر: “دعم دفاعي” مقيد بشرط حاسم
يتضمن الملخص التنفيذي للمشروع بنداً لافتاً في الفقرة الخاصة بالشرق الأوسط، يشترط فيه تقديم “الدعم الدفاعي” للحكومة السورية بمدى جهوزيتها وجديتها في نزع سلاح جميع المقاتلين الأجانب والجهاديين المتواجدين على الأراضي السورية.
هذا البند يحمل في طياته دلالتين:
- الأولى (إيجابية لدمشق): اعتراف عملي وضمني من واشنطن بإمكانية التعامل العسكري وتقديم الدعم للحكومة السورية الجديدة، وهو تطور جوهري لدولة طالما ارتبطت تاريخياً بالمعسكر الروسي.
- الثانية (تقييدية): أن هذا الدعم لن يكون مجانياً أو مفتوحاً، بل هو مشروط بإنهاء ظاهرة الفصائل الجهادية والمقاتلين الأجانب بشكل كامل وتحت رقابة صارمة.
ومع ذلك، يظل مصطلح “الدعم الدفاعي” غامضاً حتى اللحظة في الملخص التنفيذي؛ إذ لم يحدد النص ما إذا كان هذا الدعم سيتخذ شكل تدريبات عسكرية، تزويد بمعدات، تنسيق استخباراتي، أم تبادل للمعلومات برعاية أمريكية.
3. الخلفية السياسية: من التفاهمات الدبلوماسية إلى الشروط الرقابية
لم يأتِ هذا التحرك الأمريكي من فراغ، بل تحكمه خلفيات ميدانية وسياسية تراكمت منذ مطلع عام 2025:
- المجازر الميدانية وضغوط اللوبيات: أسهمت المجازر الأخيرة التي وقعت في الساحل السوري والسويداء، إلى جانب تحركات مستشارين ولوبيات سورية في واشنطن، في تسليط الضوء الإعلامي والسياسي على ضرورة ضبط السلاح المنفلت.
- التحفظ الغربي على دمج المقاتلين الأجانب: يعود الخلاف إلى يناير 2025 حين حذرت واشنطن وعواصم غربية (باريس وبرلين) السلطات السورية من تعيين مقاتلين أجانب سابقين في مناصب قيادية. ورغم إعلان واشنطن في يونيو 2025 عن “تفهم مشروط” لدمج نحو 3500 مقاتل سابق في الجيش، إلا أنها اشترطت أن تتم العملية بـ “شفافية مطلقة” وضمن مشروع الدولة لا خارجها.
- فشل سياسة “تبويس الشوارب”: ينتقد خوري تعاطي الحكومة السورية المؤقتة مع ملفات حساسة (مثل اشتباكات مخيم الفرنسيين) عبر تسويات عشائرية تقليدية أو ما وصفه بـ “تبويس الشوارب”، معتبراً أن غياب القرارات الحسمة وقنوات البيانات الشفافة دفع مجلس الشيوخ لتحويل هذا الملف من تفاهم دبلوماسي مرن إلى شرط رقابي ملزم داخل قانون الدفاع.
4. قسد والمقاربة الإقليمية الشاملة
عند النظر إلى موقع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) وشمال شرق سوريا من هذا القرار، يلاحظ أن نص مجلس الشيوخ تحدث حصراً عن “الحكومة السورية” دون ذكر الأكراد؛ خاصة وأن (قسد) كانت قد أعلنت نيتها الاندماج بالجيش السوري.
بالمقابل، يفرد قانون الدفاع (NDAA 2027) بنداً منفصلاً ومختلفاً تماماً (القسم 1215) يمدد سلطة تقديم المساعدات لمواجهة تنظيم “داعش” ودعم الشركاء الأكراد في العراق وسوريا حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2027. هذا يعكس مقاربة أمريكية أوسع للمنطقة برمتها تهدف إلى ضبط التوازنات؛ حيث يربط المشروع أيضاً تمويل الجيش اللبناني بمدى جاهزيته لمواجهة حزب الله، تماماً كما يربط دعم دمشق بإنهاء ملف الجهاديين.
5. أسئلة معلقة بانتظار النص الكامل
يختتم الباحث تحليله بالتأكيد على أن القراءة الدقيقة تتوقف عند حدود “الملخص التنفيذي” المتاح حالياً، وأن الإجابات الحاسمة على الأسئلة الجوهرية لن تظهر إلا بعد نشر النص التشريعي الكامل:
- هل سيشترط القانون شهادة رسمية دورية من وزيري الدفاع أو الخارجية الأمريكيين لإثبات جدية دمشق؟
- ما هو التعريف القانوني الدقيق الذي ستعتمده واشنطن للمقاتل الأجنبي أو “الجهادي”؟
- هل سيحدد القانون فترة زمنية محددة لنزع السلاح، أم سيكتفي بجهود “ذات مصداقية” والتدقيق الأمني المستمر؟
وحتى تتضح تلك التفاصيل، تبقى كل التحليلات الخارجة عن هذا السياق مجرد تكهنات سابقة لأوانها في ملف سوري معقد ومفتوح على كافة الاحتمالات.
الملخص التنفيذي للمشروع:
https://www.armed-services.senate.gov/imo/media/doc/fy2027_ndaa_exsum.pdf

