من يدفع الرواتب في سوريا

بقلم: عصام خوري
Jan 17, 2025

“بالعلم بدنا نعمرها”، “نريد عقولا حرة تفكر وتبدع”، “السياسة والدين نقيضان لا يجتمعان”[1] هذه العبارات وغيرها كانت في ساحة الكرامة يوم Jan 04,2024 بجعبة متظاهري محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية ضد إجراءات الحكومة المؤقتة الجديدة التي نصبتها هيئة تحرير الشام التي يقودها أحمد الشرع “الملقب سابقا: أبو محمد الجولاني”.

بعد ثلاثة أيام من هذه المظاهرة خرجت مظاهرات في دمشق، السويداء، وحلب ترفض إجراءات تسريح المتعاقدين في مؤسسات الدولة السورية، والذين يبلغ عددهم أكثر من 300ألف موظف/ة، حيث بادرت الحكومة الجديدة على تسريح عدد كبير من العاملين في مؤسسات لم تعد فاعلة في الدولة السورية مثل مؤسسة الإسكان العسكري، وغيرها من المؤسسات التي اعتادت على اصدار عقود عمل فصلية للموظفين.

فعليا انتهج النظام السوري المخلوع سياسية حشر الموظفين برواتب بخسة في الدوائر الرسمية، لغرض امتصاص البطالة، ولكنه بالحقيقة ولدّ بطالة مقنعة يصعب حصرها، حيث يتوزع الموظفين السوريين ضمن فئتين:    

  • موظفين ثابتين: وهم خاضعين لنقابات، ولديهم تأمين حكومي شامل.
  • موظفين متعاقدين: وهم موظفين يقومون بالعمل بدون تأمين، وتمتاز عقودهم بأنها دائمة التجديد، ولكن دون إمكانية للتثبيت.

بظل الفساد المؤسساتي، الكثير من الموظفين المثبتين كانوا يهملون العمل، ليقينهم ان عملية فصلهم الإدارية صعبة جدا، لذا كانوا يحصلون على رواتبهم الحكومية، من دون التزام بدوامهم الرسمي، وفي الان ذاته كانوا يقومون بأنشطة خارج الدائرة الحكومية خلال فترة العمل الوظيفي، لهدف دعم مواردهم المالية، أما من قرر منهم العمل داخل المؤسسة الرسمية، فكان بالتأكيد مرتشي لأن الراتب الوظيفي لا يتجاوز $20 بالشهر، وهو راتب هزيل جدا لا يكف مصاريف التنقل بين المنزل والدائرة الحكومية.

اما المتعاقدين فكانوا أكثر التزاما بالعمل، خوفا من عملية طردهم، وبالتأكيد الكثير منهم فاسد، ولكن حجم فسادهم أقل من الموظفين المثبتين.

بعد هروب بشار الأسد لروسيا، وجدت الدولة الجديدة مبلغ 200 مليون دولار فقط في البنك المركزي، وبالتأكيد هذا الرقم لا يكف رواتب الموظفين في السنة المالية 2025، خاصة وأن موارد البلاد غير واضحة، حيث كان النظام السوري يعتمد على فرض ضرائب ضخمة على المواطنين لغرض تمويل الدولة، إلى جانب الاتجار بالكابتغون التي لا تبرز موارده بشكل واضح في السجلات الرسمية.  

تدريجيا أدركت الحكومة الجديدة حجم الكارثة الاقتصادية الواقعة فيها، حيث تم تبديل المدراء للنظام السابق، بإداريين جدد تابعين للحكومة الجديدة، وفرض المدراء الجدد على عموم العاملين الالتزام بالدوام الرسمي، وكانت المفاجأة وجود مئات الموظفين في كل مديرية، رغم ان مكاتب أي مديرية لا تتسع مكاتبها لأكثر من خمسين موظف!

قانونيا لا يمكن فصل الموظفين المثبتين، واداريا لا يمكن إتمام الاعمال بهذه الكثافة من الموظفين، لذا جاء القرار بطرد الموظفين المتعاقدين لغرض تخفيض الانفاق الحكومي على قطاع الرواتب، وفرض على الموظفين المثبتين التزام الدائم بالعمل.

المضحك المبكي في هذا القرار، أن الموظفين المثبتين عاجزين عن الالتزام الوظيفي، لان كلفة تنقل الموظف القادم من الريف الى المدينة ذهاب واياب تقارب 400 ألف ليرة سورية، أي ما يقارب $4، أي كل موظف بحاجة لما يقارب $80 في الشهر الواحد كأجور مواصلات، في حين راتبه لا يتعدى $20، طبعا عموم الموظفين استدانوا ماليا كي لا يخسروا وظيفتهم، حيث انتشرت اشاعات أن رواتب الموظفين سترتفع إلى ما يقارب $400 في الشهر، ولكن في الواقع تأخرت الحكومة الجديدة في تسليم الرواتب للموظفين خلال شهر كانون الثاني/ يناير 2025، إلى منتصف الشهر، كما لم تجر أي زيادة على الرواتب، مما فاقم الديون على الموظفين المثبتين.
أما بالنسبة للموظفين المتعاقدين فباتوا بحالة يرثى لها، فهم عاجزون عن إيجاد وظائف جديدة، ويتأملون أن مظاهراتهم قد تعيدهم للعمل من جديد.

المعضلة الاقتصادية لا تطال هذه الفئة وحسب، بل تمتد إلى المتعاقدين سرا مع الأجهزة الأمنية السورية، وعددهم غير معروف، ولكن بالتأكيد هم ما بين  400-600 ألف نسمة، وهؤلاء منقسمين على قسمين:

  • مخبرين مثبتين: وهم يعملون بطريقة متخفية بزي مدني، وغالبا يعملون في مهن شعبية مثل نادل في مقهى، موظف في فندق، سائق تكسي، بائع قهوة متجول.  
  • مخبرين حسب التقرير: وهؤلاء يحصلون على مبلغ على كل تقرير ينجزوه، وكون اجرة التقرير الواحد لا تتجاوز النصف دولار، فكانوا يثابرون في كتابة التقارير من اجل الحصول على مبالغ تكف حياتهم طيلة الشهر.  

عند سقوط النظام السوري، سارع عموم المخبرين إلى الادعاء بأنهم مناصرين للثورة السورية، كما سعى بعضهم لحرق سجلات الفروع الأمنية التي يعملون بها، او سرقتها كي لا تقع بيد الحكومة الجديدة، أيضا ساهمت إسرائيل عبر قصفها لمركز أمن الدولة في دمشق يوم Dec 09, 2024 بضياع أرشيف ضخم يضم فيه أسماء كل المخبرين في سوريا، وهذا بالتأكيد كان عاملا مفرحا لهذه الشريحة. بعيدا عن الواقع الأمني لهذه الفئة، بات الأمن الاقتصادي لهذه الفئة مهددا أيضا، فهم عاجزون عن توفير بدائل اقتصادية تكف حاجات اسرهم.  

أيضا يضاف لهذه الفئة، مجموعة ضخمة من الشبان والشابات الذين انضموا للمليشيات المسلحة الداعمة للنظام، بعقود تتجدد بشكل دوري من قبل قيادة تلك المليشيات، وكانت رواتبهم تتراوح ما بين $60-$130، ويضاف لتلك الرواتب ما يقتنوه كرشاوى أو أتاوى من اشرافهم على الحواجز العسكرية المنتشرة بين المدن. طبعا هذه الفئة باتت عاطلة عن العمل فهم ليسوا مصدر ثقة لغرض ضمهم في وزارة الدفاع السورية الجديدة، مما سيحولهم إلى رقم إضافي في سلة البطالة السورية الجديدة.

بالتأكيد العديد القادة من المخبرين والعاملين السابقين في المليشيات لديهم مدخرات من أعمالهم سالفة الذكر تحميهم من الجوع، ولكن الشريحة الكبرى من هذه الفئة ليس لديها المدخرات الكافية للاستمرار أكثر من ستة أشهر، خاصة وان العديد منهم لديه التزامات مالية تتعلق بأقساط أولادهم في الجامعات، أيضا لدى الكثير منهم التزامات مالية كقروض للمنازل التي يسكنوها، من هنا نرى حالة احتقان عالية عند هذه الفئات المتضررة.

العلويين من هذه الفئات يشعرون بالخوف من القصاص لذلك لا يخرجون في مظاهرات ضد النظام الجديد الحاكم في دمشق، بل يكتفون بالتأييد للمظاهرات التي تنتقده في باقي المحافظات عبر وسائل التواصل الاجتماعية، ويركزون في جلّ انتقاداتهم على التعصب الراديكالي الاسلامي المتنامي في المدن والبلدات، بعد سيطرة هيئة تحرير الشام على مقاليد الحكم.  

من هنا نرى انقسام مجتمعي واضح في سوريا، بحيث تحول المجتمع إلى فريقين:

الأول فريق إسلامي: شعاره “المنتصر يقرر، ويحكم”، واداته القوة العسكرية من هيئة تحرير الشام والكتائب الإسلامية المناصرة لها.  

الثاني تجمع (معارضين يساريين، أقليات، موالين للنظام السابق، سنة المدن المرفهين): وهذه الفئة تنادي بالعلمانية، وتطالب كحد أدنى بنظام مدني يحقق عدالة بين أفراد المجتمع، ويلغي مشروع حكومة اللون الواحد الذي تطالب به الأكثرية السنية. أما أداة هذا الفريق فهي وسائل التواصل الاجتماعي التي تنشر أخطاء النظام الحاكم الجديد، وفشله في إدارة البلاد اقتصاديا.

المعضلة عند الفريقين الإسلامي والعلماني، أن كلاهما غير منظمين لخلق أحزاب تقود البلاد عبر مجلس الشعب، كما لم تسّن الحكومة الحالية قانونا يسمح بترخيص الأحزاب، كي لا تظهر فئات تنافس الحكومة الحالية على رسم الخطاب السياسي والاقتصادي للبلاد.

فخطة الحكومة الحالية، أن تكسب الشرعية من خلال توفير خدمات رئيسية للمواطنين، مثل الكهرباء، الماء، الغذاء، من خلال الدعم الأوروبي والعربي، وبعد ذلك تسعى للترويج لنفسها كفريق وحيد قادر على إدارة البلاد عبر نظام شرعي إسلامي، ذو لون واحد غير تشاركي.

 لذا على المجتمع الدولي دعم النشطاء الإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني العلمانيين لخلق خطاب منافس يدفع المجتمع السوري نحو الرؤية الاقتصادية اللبرالية الغربية التي اثبتت نجاحا أعلى من النظم الشرعية الاقتصادية الإسلامية، فسوريا دولة تؤثر بشكل واضح في دولتي لبنان والأردن، وتحويلها إلى طالبان جديدة هو أمر كارثي على منطقة بلاد الشام، كما لا يناسب ذلك تركيا، ودول الاتحاد الأوروبي.


[1] https://www.youtube.com/watch?v=RERU2a-QGmo

VOSyria

ByVOSyria

بدأت محطتنا البث التجريبي في أغسطس/ أب 2025 عبر وسائل التواصل الاجتماعية واليوم نحن منصة متكاملة الأركان للاعلاء من صوت السوريين، ومساعدة الشباب في الدخول لسوق العمل!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *