ما إن وصل الرئيس الانتقالي المؤقت أحمد الشرع إلى نيويورك لحضور أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة حتى كانت موظفي وزارة الخارجية والمغتربين السورية قد أعدت له لقاءاً خاصاً و شخصياً مع عدد محدود من أبناء الجالية السورية في أحد أفخم فنادق منهاتن وسط أجواء الفخفخة و الأبهة التي عرفت بها منهاتن ” قبلة الاقتصاد العالمي ”
و على ما جرت عليه العادة فإن إختيار المشاركين يكون وفقاً لمعايير منها الولاء المطلق لفخامته من جهة و النجاح المهني و الثراء الشخصي ” أطباء – رجال أعمال وغيرهم ” من جهة أخرى ، أو أنهم من فئة العاملين في الجمعيات السورية السياسية والإغاثية المممولة الموجودة في أمريكا مع لفيف من أقربائهم و أصدقائهم و معارفهم.
و مع إيقاع الدقائق الأولى من اللقاء بدأت أسراب الترندات و البظات الإعلامية تنهمر على وسائل التواصل الاجتماعي و كل منهم يجتهد في وصف الأجواء الحلوة المفتوحة و الأجوبة الذكية من فخامته و الإمتنان و الافتتان و كل ما هو حالم و جميل.
و من المقرر بعد ذلك أن يلقي الرئيس الإنتقالي المؤقت كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة و بذات اليوم المحدد من المفترض حشد و تجميع أكبر عدد ممكن من السوريين الذين لم يحالفهم الحظ مهنياً أو مالياً ليكونوا من ضمن فريق النخبة في الجالية السورية، أو اولئك الذين لم يتسن لهم الانضواء تحت جناح أي من المنظمات السورية العاملة فيها.
طبقة البروليتاريا العاملة تلك من المقرر جمعهم و إحضارهم بالباصات و من ثم حشرهم في مكان محدد على الرصيف المقابل للأمم المتحدة بعد إلباسهم الزي المشترك الأخضر مع العلامة البصرية السورية ليأتي فخامته بعد إلقاء كلمته و يلوح لهم من بعيد.
أنا من جهتي ناشط قديم في حقوق الإنسان و حائز على خمسة جوائز دولية على نضالي السلمي العلني في مواجهة نظام حكم بشار الأسد و أبوه، بالإضافة إلى أني معتقل سابق لعدة مرات في سجون الأسد، حملتني الظروف القاهرة بعد أيام من خروجي من السجن أخر مرة على مغادرة سوريا على عجل بعد تجدد ملاحقتي أمنياً فوجدت نفسي في هذه البقعة من العالم.
خلال هذه السنوات التي أمضيتها في أمريكا رفضت العمل ” الممول ” بحقوق الإنسان و رفضت استثمار تاريخي النضالي و مكانتي الحقوقية بالإرتزاق و استمر نشاطي الحقوقي التطوعي ما وجدت لذلك سبيلاً و كان سقف انتقاداتي للإدارات الأمريكية المتعاقبة على سياساتها الخارجية تجاه سوريا هو الأعلى من كل المنظمات العاملة في السياسة فيها ” اللهم إن كان لها لسان ينتقد على إيقاع الدم السوري المنهمر في تلك الحقبة الزمنية من عمر الثورة ”
و بذات الوقت اعتمدت على جهدي الشخصي في كسب قوت يومي و بفضل من الله وتوفيقه تمكنت من شراء باص ليموزين فخم عام 2016 خصصته للمظاهرات المناهضة لنظام الأسد و يعلم الله و القليلين من ذوي القلوب السليمة الذين شاركوني نشاطي هذا على مدى سنوات القهر أن الباص كان مجهزاً بكل ما تحتاجه المظاهرات أمام الأمم المتحدة من أعلام ولافتات و سواها و كان الباص يحمل الراغبين بالمشاركة و كان عددهم لا يزيد عن أصابع اليد من المنزل إلى مبنى الأمم المتحدة و بالعكس و بشكل شبه دوري أسبوعي أو شهري بحسب تطورات الأحداث في سوريا و مع الأسف لم يكن من بين المشاركين أياً من الوجوه الوسيمة المترفة التي تتصدر المشهد اليوم في استقبال الرئيس المؤقت و الترحيب به و سرد و جرد مناقبه.
و على المستوى الخيري ساهمت بفضل من الله في إشادة سبعة مدارس خاصة صغيرة في مخيمات اللاجئين الأكثر فقراً و عوزاً و شدة ، بالإضافة لحفر آبار المياه و غيرها من النشاطات التي يعلمها الله عز و جل.
و على مدى السنتين المنصرمتين و رغم عدم اقتناعي بجدوى التذرع بالشرعية الثورية بديلا عن الشرعية الدستورية و القانونية بإعتبار أن الثورة السورية ثورة شعبية بامتياز و بإعتبار أن النظام المؤقت يحظى بالقبول من الأعم الأغلب من شرائح المجتمع السوري و بإعتبار أن الجهات الخارجة عن الإجماع الشعبي معزولة ومنبوذة على جميع المستويات، إلا أني استمريت على موقفي المتواري مع التحفظ و التخوف من تأبيد حالة الشرعية الثورية و الوقوع بالفخ الذي وقع به ابائنا في أعقاب انقلاب 8 آذار 1963.
و كنت كثيرا ما أرنو و أصبوا لخطوات و لو بسيطة لكنها ملموسة باتجاه دولة القانون والمؤسسات، لكن مع الأسف توالت الخيبات و الانتكاسات فمن مجلس شعب كسيح بدون سلطات أو صلاحيات …. إلى صناديق سيادية شبه عائلية تصب فيها أهم الموارد الحكومية و لا تدخل ضمن إيرادات الموازنة العامة خلافاً لمبدأ وحدة و مبداً شيوع الموازنة وعدم جواز تخصيص الايرادات في الموازنة العامة مما حمل النظام المؤقت لفرض الكثير من الضرائب المجحفة على الطبقات المسحوقة و المعدمة من عموم الشعب السوري اليتيم في الداخل السوري من خلال رفع أسعار الضروريات من كهرباء ووقود …. إلى اعتماد تعيين الموالين والمؤيدين من كوادر هيئة تحرير الشام بدون أية كفاءات و خارج إطار قانون العاملين الموحد و برواتب فلكية فصار عندنا صنفين من الموظفين لا يمكن الجمع بينهما …. إلى التمسك بترسانة القوانين و التشريعات المكبلة للحريات الموروثة عن عهد الأسد و التي يتم استخدامها بأجحف الطرق …. إلى الاتفاقيات الأمنية السرية المسربة التي يتكشف عنها اللثام يوماً بعد يوم … إلى عودة ثقافة التعذيب والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي خارج إطار القانون …إلى الفحش في الثراء من قبل الطبقة الحاكمة التي سكنت القصور و حشدت أساطيل السيارات في مقابل عموم السوريين الذين يزدادون فقراً و عوزاً … إلى شيوع ثقافة النفاق و الرياء و التطبيل و التزمير و إنقسام المجتمع افقياً و حالة من التخندق و الانقسام لم يشهدها المجتمع السوري بعد انتشار أسراب المطبلين و المزمرين على وسائل التواصل الإجتماعي و….غيرها الكثير .
و كنت كلما هممت بفتح فمي اصطدم بأصحاب الطروحات الانفصالية لصبيان إسرائيل في الداخل السوري من أصحاب النزعات غير الكريمة الإثنية أو العرقية أو الطائفية فأعود الهوينى و أضطر لبلع لساني خوفاً من أن أحسب عليهم أو أشدد من أزرهم.
خلال الأسبوع الماضي طلب مني بعض القائمين على تحشيد السوريين و سوقهم إلى الفسحة السماوية المغلقة المخصصة لهم تحت سماء منهاتن كي يلوح لهم الرئيس الشرع بعد إلقاء كلمة المشاركة في هذه الفعالية فوافقت فوراً لكن بشرط السماح لي بحمل لافتة تتضمن بالإضافة للترحيب بالرئيس مطالب حياتية و معاشية للمواطن السوري الذي يتضور جوعاً ولا يجد من يسمع أنينه.
و الذي كرست حياتي للدفاع عنه و الذي لا أستطيع فهم حقوق الإنسان بأكثر من أنها انزياح طوعي اختياري له بوصفه الطرف الضعيف في العلاقة مع السلطة.
و أنا من جهتي كنت و مازلت وسأظل أقف إلى جانبه لاسيما المظلوم والضعيف و خائر القوى و من لا ملاذ له في مواجهة أصحاب المال و الجاه و الصولجان.
لكن طلبي قوبل بالرفض مع الأسف و أن على الالتزام بالتعليمات الصارمة المفروضة و بالتالي فالتعبير عن الرأي في هذه المناسبة محصور ضمن إطار التمجيد والتحميد و الافتتان و الإنبهار بالسيد الرئيس و بالنصر الذي مضى عليه سنتين.
في ردة فعل على ذلك كتبت عدة لافتات ضخمة باللغتين تتضمن أهم المطالب المجتمعية للشارع السوري المغيب و المهمش و الذي لا ظل له وسط صهيل ضحكات المشاركين في استقبال فخامة الرئيس المؤقت و الإنبهار بإنجازاته و التي عبروا عنها بمجرد خروجهم من قاعة الاجتماع الفخمة في فنادق الخمس نجوم بمنهاتن.
و من ثم نصبت لهذه اللافتات حوامل و ثبتها على باص الليموزين العائد لي و قررت أن أبدأ من اليوم الثلاثاء التجول في محيط الأمم المتحدة و لمدة لا تقل عن 12 ساعة في كل يوم إلى أن تنتهي أعمال الجمعية العامة و تسافر الوفود مجتمعة.
لأفاجئ اليوم بالصحافة الإسرائيلية و السيساوية المصرية على حد سواء و بمنتهى السفالة تستهدف الرئيس الشرع و تصفه بالإرهابي يحضر جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة ، الأمر الذي حملني على تغيير ما كنت قد أزمعت و عقدت العزم عليه ، فعدت أدراجي و انتزعت اليافطات من على حواملها و مزقتها وأنا أصرخ : أيها الأوغاد متى ستتركونا وشأننا
المحامي مهند الحسني
رئيس المنظمة السورية لحقوق الإنسان ” سواسية ”

