في هذه القصة المكثفة والمؤلمة، تأخذنا الروائية هيفاء بيطار إلى عالم امرأة سورية تعيش بين منفيين: منفى المكان في باريس، ومنفى الخوف الذي لا يغادرها من وطنها.
بين قهوة الفجر الباردة ووحدة المدن الأوروبية، تستعيد البطلة تفاصيل حياتها في اللاذقية، حيث تتحول الكتابة إلى وسيلة نجاة، والكلمات إلى سلاح لمواجهة سلطة أمنية قادرة على سحق الإنسان. في علاقة معقدة مع ضابط نافذ، تكشف القصة كيف يمكن للكلمة أن تغوي السلطة، وكيف يمكن للخوف أن يُعيد تشكيل الكرامة. لكن الألم لا يقف عند حدود السياسة، بل يمتد إلى الجسد والعاطفة، حيث تتجلى هشاشة الإنسان في أقسى صورها: وحدة، احتياج، وحنين لا يُحتمل. إنه نص جريء وصادم، يطرح سؤالاً عميقاً:
كيف يمكن لإنسان أن ينجو… حين يصبح الخوف جزءاً من روحه؟

الخامسة فجراً بتوقيت باريس ، ظلام وكآبة وفقدان الشهية للقيام بأي عمل أو حتى تفكير ، علي أن أنتظر ثلاث ساعات لتشرق شمس شاحبة باردة لأن تشرين في باريس لا يشبه تشرين في اللاذقية مدينتي المُنتهكة المُغتصبة التي طُردت منها ، لا همة لي على كتابة رواية ، ماذا سأكتب ؟ أؤمن أن الكتابة لم تعد تنفع ولكنني من حين لآخر أكتب مقالات كنت أقبض عليها مالاً ثم صارت مجانية لأن المواقع الإلكترونية في أزمة مالية ، لكنني أعرف أنهم يعطون المال الكثير لكتاب تافهين يجترون نفس الأفكار ومؤبدين ( إلى الأبد ) . بآلية أحضر قهوة بن نجار التي أشعر أن نهاري لا يمكن أن يبدأ إلا بإرتشافها ، شقتي في باريس مُريحة، أحبها ، تطل على حديقة وثمة نافذه واسعة في الصالون بستائر شفافة ، أتامل منها الأطفال الذاهبون إلى المدرسة ، أطفال صغار في المرحلة الإبتدائية ، وأتأمل الشجرة الوحيدة القزمة التي كانت تدهشني أنها طوال الأشهر تظل أوراقها خضراء ، لكنها مؤخراً أصابها إكتئاب شديد ، فذبلت أوراقها وجفت وصرت أقف عند الشرفة أكسر الأوراق اليابسة التي تُصدر صوتاً أحب أن أشبهها بالنحيب ، اللاذقية حاضرة دوماً في ذاكرتي وروحي أفكر بها ، ربما لا أفكر بها فهي حاضرة ، لكنني فقدت الحماسة والشوق والحنين وأنا أمرر الكثير من صورها في ذاكرتي ، أشتاق لفجرها فقط ، إحساسي أنني والشمس نستيقظ معاً يُبهجني جداً ، فالشمس في اللاذقية تشرق بين الخامسة والسادسة صباحاً ، أشرب قهوتي وأفطر غالباً على شرفة منزلي في اللاذقية في الطابق الخامس حيث أرى شريط ضيق من البحر بعد أن تم تبليطه ، في الأشهر الثلاثة الأخيرة التي قضيتها في اللاذقية قبل أن أسافر إلى باريس كنت أعيش حالة مُروعة من الإنهيار النفسي ، ربما كنت أعاني من إنهيار عصبي دون أن أدري ، أو دون أن أبالي أن أساعد نفسي وأقصد طبيباً نفسانياً لأنني لا أثق بهم أبداً ، أعرف أحدهم كان هو نفسه مُصاباً بوسواس قهري ويتناول الكثير من الأدوية النفسية ، وكان يشكو أن هذه الأدوية تثبط قدراته الجنسية فتفقده القدرة على الإنتصاب والقذف ، وكان مزاجياً ونزقاً ولا يلتزم بالدوام في عيادته ، وكان يكره حياته ويحتقر حياته وحياة الناس ، لكنه كان مثقفاً وكنت أستمتع أن نحكي بالكتب الهامة ونناقش الأفكار الإشكالية ، لم أكن أشعر بأي ميل عاطفي أو جنسي إتجاهه ، بل كنت أشفق عليه لأنه كان يفرط في التدخين وفي شرب الفودكا ويدخل في حالة غريبة من الإنخطاف إذ أحسه ينسى وجودي تماماً ويبدأ الكلام غير المترابط الأشبه بالهذيان ثم يبدأ اللعاب يسيل من فمه دون أن ينتبه ، لكنني كنت أمرر الوقت معه ، إذ كنت أشكو من وحدة كادت تدمر أعصابي خاصة أن حجر كورونا المسائي زاد من وحدتي إذ لزم الناس بيوتهم ، الحجر الصحي المهزلة لمرض كورونا ، طوال النهار الشعب السوري يسرح في الطرقات دون أن إستعمال الكمامة ودون الإلتزام بتباعد إجتماعي ، وطوابير من الناس تحتشد على مراكز توزيع المعونات الغذائية أو الرز أو التبغ ، لكن ما أن تحل الستعة السادسة مساء حتى يلتزم الناس في الحجر الصحي في بيوتهم .
لا همة لي على كتابة رواية ، ولا أشعر بأية مسؤولية عن الكلام الذي سوف أكتبه والذي لا أعرف شيئاً عنه فأنا لم أرسم خارطة طريقة ، أحب أن أتقمص شخصية المُخرج الفلسطيني العالمي إيليا سليمان الذي يقول أنه يبقى سنتين أو أكثر يصور ويصور لقطات ومشاهد دون أن يعرف الغاية منها ، ثم فجأة تنضج الفكرة في عقله ويجمع اللقطات التي صورها في فيلم كما حصل مع فيله الرائع ( إنها الجنة ) ، سأقلده وأترك قلمي يقودني حيث يشاء ولن أفرض عليه أية رقابة أو ألزمه بكتابة معينة ولن أصله بذاكرتي ولا بقلبي ولا بزمان ومكان ، القلم سيدي وأنا سأنصاع إليه بكل طاعة وأتركه يكتب ما يشاء ، وأتركه يذي لو أراد ، أو يكتب أشياء تافهة وربما مخجلة ، أشرب الآن قهوة الصباح في باريس والساعة السابعة ولم تشرق الشمس بعد أحس بغضب وكراهية لهذه الحالة أن تشرب قهوة الصباح والظلام حولك ، أحضر لثواني أخبار تلفزيونات لبنان خاصة الجديد أو إم تي في ، الأخبار ذاتها محاربة الفساد ، الكورونا ، الناس التي فقدت صوابها وبدأت بالصراخ والشتائم على المسؤولين ، المسؤولين المفرطي الأناقة بملامح وجوههم المرتاحة التي تؤكد للمشاهد أنهم ناموا ثماني ساعات على الأقل ، بالكاد أستمع لنشرة الأخبار عشرة دقائق يصيبني سأم كبير ، وأجد نفسي رهينة وقت طويل طويل ، ماذا عساي أفعل في باريس ، لا أصدقاء لدي ، أهيم في شوارعها الجميلة ، أهدر الوقت في أسواقها خاصة الأسواق الشعبية ( المارشية ) حيث أجد بسطات متنوعة تبيع الألبسة المستعملة والدمى والتحف الإفريقية والأثاث العتيق وكل ما يخطر في البال ، لاحظت أن الشعب الفرنسي ازداد فقراً فإقباله على شراء الألبسة المُستعملة كبير جداً وهي ألبسة مهترئة للغاية ، أغوص مع الحشد في النبش في الأبسة المستعملة لا لحاجتي لشراء أي شيء بل لإمتصاص شيء من الدفء الإنساني وجسدي يلامس من حين لآخر جسد إنسان ، وأفرح حين أشتري دُمى ، أحب الدمى أزين بها شقتي الأنيقة في باريس ، تشاركني الدمى شرب قهوة الصباح ، الغريب أنني أشعر بوهن بعد شرب عدة فناجين من القهوة ، وأحس بثقل الزمن على كتفي تحديداً فأشعر كيف يتقوسا وأنا ملتاعة ومرعوبة كيف سأمرر يومي في باريس وحيدة وحدة شيطان أو إله ، يقودني القلم إلى اللاذقية يرسم لي لوحة جميلة أو هكذا تبدو ، أنا بحالة ذعر وتشوش عقلي خطير يوقظني كابوس الثالثة فجراً ، أنزلق من فراشي ألهث من تأثير الكابوس ، تغزو أنفي رائحة سخام المولدات الكهربائية العملاقة وأدخنتها ، الكهرباء مقطوعة لكنني تعلمت أن أقوم بكل الأعمال في الظلام أدخل المطبخ أشعل الغاز وأضع على النار فحم الأركيلة ، وأبدأ بطقوس تحضير الأركيلة ، وأخرج إلى الشرفة الثالثة فجراً امرأة وحيدة مذعورة

تشعر أن عظام جمجمتها أشبه بخوذة حديدية ، أرنو إلى شريط البحر الضيق يبدو أسوداً تلتمع على سطحه بعض الأنوار الباهتة ، أمسك موبايلي وأبحث عن اسم اللواء في المخابرات الجوية ، يسكن في دمشق ، لا أعرفه لكنه بواسطة صديق ساعدني منذ سنتين بإلغتء منع السفر الذي تعرضت له مراراً في سوريا إضافة لإستدعائي دوماً لمختلف الأجهزة الأمنية ، كنت أعرف أنني يجب أن أحصل بأية طرية على دعم لواء مطلق الصلاحيات في المخابرات الجوية ليساعدني ، ليدعمني حين سأراجع فرع الأمن العسكري الذي استدعاني ، كان اللواء قد تجاوز سن التقاعد لكن الرئيس يثق به جداً فمدد خدمته إلى الأبد . وكان يداوم من التاسعة صباحاً وحتى الثالثة عصراً ومن الثامنة مساء حتى الساعة العاشرة أو الحادية عشرة ، وكنت أنام باكراً بعد تناول نوعين من الأدوية المُنومة التي يستحيل أن أغفو من دونها ،قرأت رسالة أرسلها لي اللواء التاسعة والنصف مساء البارحة : أين أنت معقول نمت باكراً !! إبتسمت ليس لأنني لمست إهتمامه بي وشوقه للتحدث معي بل إبتسمت لأهنأ نفسي أن دهاء الأنثى ينتصر دوماً خاصة إن كانت أنثى تجيد أخطر طرية لأسر الآخر أي الكلام ، عرفت بحدسي كأنثى وكاتبة أنني لن أتمكن من السيطرة على اللواء وضمان مساعدته لي إلا عن طريق غواية الكلمات ، وهل من غواية تتفوق على غواية الكلمة ؟! لما كتب أحد السفلة مهو مسيحي يدعي أنه فنان تشكيلي تقريراً كيدياً في كانت نتيجته إستدعائي إلى جهاز الأمن العسكري ومنعي من السفر ، وكان الواشي قد حضر مناسبة لتكريمي في اللاذقية بواسطة ما يُسمى هيئة الحوار السوري السوري ، ورفضت في البداية فسوريا لا تُكرم إلا المطبلين والمُزمرين للنظام ، لكن أحد أعز الأصدقاء أقنعني وقال لي : منصة الحوار السوري السوري مهمة جداً وفيها العديد من سجناء الرأي وبعضهم قضى في السجن عشرين عاماً . كانت حفلة التكريم مهزلة صحيح أنها كانت تضم العديد من سجناءالرأي بينهم سجين من أسرة نعيسة قضى عشرين سنة في السجن في زمن حافظ الأسد ، لكن الكلام كان بلاغة سخيفة مُقرفة وكدت أختنق من رائحة الدخان فمعظم الحاضرين يدخنون ، كان الواشي السافل صامتاً وحال إنتهاء حفل التكريم كتب على صفحته على الفيس بوك بإسمي الصريح بأنني سافلة وماسونية ويُطالب بمحاكمتي وسجني ، شعرت بقرف فحظرته ، ولم يخطر لي أن أقدم شكوى ضده لأنه بالتأكيد مدعوماً من قبل أجهزة الأمن ، وإكتشفت فيما بعد أنه قام بطباعة العديد من مقالاتي ومنها مقالي عن الخوذ البيض الذي كنت قد كتبته قبل سنوات من زمننا الحالي عام 2020 . أخذت عدة أنفاس من معسل الأركيلة وأعدت قراءة رسالة اللواء ووصلني تماماً شوقه لي ، كتبت له : يسعد لي هالصباح اشتقتلك .لا أعرف بدقة كيف بدأت علاقتي باللواء في المخابرات الجوية ، لكنه بعد أن ساعدني منذ سنة بوساطة صديق وأزال منع السفر الذي زلزل كياني ، طلبت من صديقي أن يعطيني رقم هاتفه لأشكره ، فقال لي صديقي: هذا الرجل منصبع عالي جداً جداً وهو لا يحب أن يتصل به أحد ولولا صداقتي المتينة معه أيام الطفولة والشباب لما خدمني ، كان قد أزال لي منع السفر للتو أي بعد إتصال صديقي به ، كلمته نافذة بقوة ، أن يُزال منع اسفر بعد خمس دقائق من إتصال اللواء يدل كم هو مُتنفذ ، لكنني أصريت على صديقي ورجوته ووعدته بألا أقول له سوى شكراً ، فأذعن صديقي واتصلت من هاتف صديقي وأتاني صوت اللواء رخيماً ومتعجرفاً وشكرته فأجاب بمنتهى اللطف تكرمي وسألني عن اسم أبي فقلت له ، فتهلل صوته وقال : أرجوك بلغي والدك كل محبتي كان أستاذي وأكن له الكثير من الحب والإحترام ، وجدتني أندفع بتهور وأقول للواء هل تسمح أن أرسل لك بعضاً من كتبي أرجوك إعتبرها طريقة أن أعبر لك عن شكري ، ضحك وقال : زوجتي وإبنتي تقرآن لك ومعجتان بكتاباتك، اقتحمت عالمه المُدجج والمُحصن بسلطة لواء وتجرأت على نسف المسافة بيننا وقلت : يهمني رأيك ، قال : صدقينني لا أملك الوقت للقراءة مسؤولياتي كثيرة فوق ما تتصورين ، أصابني عناد فقلت : حسناً هل يمكن أن أرسل لحضرتك بعضاً من مقالاتي أظن قراءة مقال لا تستغرق منك إلا دقائق ويهمني رأي شخص عظيم مثلك بكتاباتي .كنت أعي كم الذل والمهانة في كلماتي وطريقتي في التحدث إلى اللواء ، لكنه ذل لا بد منه للعيش آمنين غضب الوحوش وأجهزة الأمن ،بدا أن اللواء يملك كل الوقت للتحدث إلي فأخذ يحكي لي عن طفولته في اللاذقية ومنزلهم الجميل قرب البحر وأنا أجبر نفسي على إطلاق شهقات الإعجاب الزائفة بكل حادثة يخبرني إياها ، ثم قال لي بلامبالاة تعمد أن تصلني : سأرسل لك إيميلاً خاصاً لترسلين لي بعضاً من مقالاتك . شعرت تماماً أن سنارة الصيد علقت وبأن اللواء سيصير أسيري بكلماتي ، إخترت محموعة من مقالاتي ومعظمها مراجعات لكتب عظيمة ومنها كتاب ( عقل غير هادىْ ) لطبيبة نفسانية أميريكية أصابها مرض ثنائي القطب ، أرسلت المقالات العاشرة صباحاً ورغم أنني أرسلت للواء سالة ليخبرني إن كانت المقالات قد وصلته لكنه لم يرد ولم يتصل ، أصابني قنوط وقلت لن يقرأ حرفاً لي ، وفكرت لماذا غازلت اللواء وأبديت عظيم دهشتي وإعجابي بكل حادثة ذكرها لي ، تأملت نمط حياتنا في سوريا علينا دوماً أن نبدي إعجابنا وتأليهنا للأقوياء ، لأجهزة الأمن التي تقبض علينا من رقبتنا والتي تملك صلاحيات مطلقة للعبث بحياتنا ، أذكر ذات تحقيق مع فرع أمن الدولة قال لي المحقق : انظري من النافذة ، كانت عمارة شاهقة من عشرين طابقاً وكل طابق أربعة شقق ، قال لي : أتعرفين يُمكنني أن أستدعي كل سكان هذه العمارة وأحجزهم على ذمة التحقيقي ستة أشهر . لزمت الصمت وشعرت أنني نملة أجل نملة يُمكنه أن يسحقني بحذائه ، لذا كنت بلاوعيي أدرك أنني يجب أن أتظاهر بإفتتاني بشخصية اللواء كي أقي نفسي من أذى محتمل وكي يساعدني حين سأراجع فرع الأمن العسكري وليتكرم ويُلغي منع السفر . كان على كل سوري أن يقدم ولاء الإذعان والطاعة لأسياده تحديداً أجهزة الأمن كي يعيش عيشة الذل ويتنعم بأمان الدجاجات في القفص ، مرت ثلاثة أيام ولم يتصل بي اللواء ولم يكتب كلمة ، وأهنت نفسي حين كتبت له : أين أنت يا سيدي . يا للقرف وإحتقار النفس حين قلت له سيدي ، لم أكن أدرك أي تشويه أصاب روحي ولا أي ذل تغلغل في خلاياي وغير جيناتي ، لكنني في اليوم الرابع اتصل اللواء وقال وبدا مُنقاداً لبوح لم يتمناه ، قال بأنه بقي في مكتبه بعد إنتهاء دوامه بساعتين يقرأ ويقرأ مقالاتي التي فتنته وبأنه أمام إنسانة عظيمة وبأنه يتعجب من قدرتي على الكتابة الشيقة وعرض أهم الكتب وإعترف لي بأنه أحس بأن كتاب ( عقل غير هادىء ) ينطبق عليه تماماً . وطلب مني المزيد من المقالات كما طلب أن أرسل له رواياتي ، اللواء سقط صريع إغواء الكلمة ، فالكلمة تُحيي وتميت ، وبالغت في شكره وقلت له أن رأيه وساماً على صدري وبأنني في قمة السعادة وأشعر بالفخر وبأنني كنت حزينة جداً لأنه لم يتصل طوال أربعة أيام فإعتذر لأنه كان مُضطراً أن يقوم بجولات خارج المكتب ، وتمنيت لو أمتلك الجرأة وأسأله : ما طبيعة الجولات التي تقوم بها سيدي اللواء ، لكنني خفت من غضبه وأن أكون قد تجاوزت الحدود معه ، قلت له : الله يعطيك العافية أنت تحمينا وأنت فخر سوريا ، ومع كل عبارة تنقذف من فمي كان غثيان القرف من نفسي يتصاعد لكنني كنت في وضع مُهين محشورة في زاوية وحيدة ومخذولة ولا أحد يدعمني ومضطرة للتعلق بقشة لإنقاذ نفسي وكانت تلك القشة اللواء ، وسألني كيف أمضي وقتي ولم أخبره بأنني أهدر الوقت كيفما إتفق وبأنني أعيشحالة ذعر تدفعني للإستيقاظ فجراً وتدخين الأركيلة على الشرفة حتى يطلع الفجر الناعس ، وبأنني أهيم في شوارع اللاذقية أتأمل شعب الطابور وأرغفة الخبز المفروشة على الأرصفة القذرة وسطح السيارات، وبأنني أغيب ساعتين في سوق الألبسة المستعملة لأنني أحسها تشبه حياتنا ، وبأنني وحيدة ومن أعتبرهم أصدقاء صاروا يخشونني لشجاعتي ولأن أجهوة الأمن تطلبني ، فمن تطلبه أجهزة الأمن يُصبح كأنه مُتماهياً معها يخافه الناس ويهربون منه ، تماماً كالفتاة التي تتعرض للإغتصاب تُصبح هي والمُغتصب واحد، لا يحترمها أحد ولا يتقدم أحد للزواج منها وغالباً يذبحها أهلها ليتخلصون من عارها فهي ليست ضحية بل ساقطة ، لكنني قلت للواء بأن وقتي منظم وأخصص وقتاً للكتابة والقراءة والمشي وارتياد المقاهي ، وأصابني الذهول حقاً من رغبة وقدرة اللواء على الكلام !!! كانت يدي تتخدر والعرق يتصبب من وجهي ويدي وأحس بضيق تنفس ونا أصغي لكلام اللواء يحكي بالتفصيل الممل عن ذكريات طفولته وشبابه وأحلامه وقصص عشقه ، وكنت أموت من الضجر ولكنني كل فترة أصرخ نشوة بعظمة ما يقول ، كنت أتساءل : أي عمل يقوم به وهو يملك ساعات للثرثرة وذات حديث وكدت أختنق بل صرت أضع موبايلي على الطاولة وأسمع صوته وأتعمد أن أمد رجلي وأسندهما على الطاولة كأنني بهذه الوضعية أدوس على كلام اللواء وذكرياته المملة حتى الغثيان بقدمي ، وفجأة ألحت علي رغبة قوية أن أسأله عن الدكتور عبد العزيز الخير ، يا إلهي كم كانت رغبتي قوية ومتهورة ، لدرجة اضطررت أن أضغط براحة يدي بقوة على فمي كي لا ينطلق هذا السؤال من أعماق روحي ، وشتمت نفسي ، شتمني عقلي بقسوة وقال لي : هل ستقودين نفسك إلى التهلكة ؟ هل تريدين اللحاق بعدبد العزيز الخير ، لكنني ذات يوم وكان يتحدث لساعتين وجدتني أسأله : ممكن يا غالي ( صرت أقول له غالي بعد أن هيمنت عليه بكتاباتي ) هل يمكن أن أعرف طبيعة عملك بدقة ؟ أحسست بإمتعاضه وصمت ، بدا واضحاً أنه لا يرغب في الإجابة كنه لم يشأ أن يهينني ولا يجيب على سؤالي فقال: بإختصار عملي أن أعاقب من يُخطىء . وتقصفت ركبي ذعراً وضغطت براحة يدي على فمي كي لا ينفلت سؤالاً يقودني إلى مصير الدكتور عبد العزيز الخير : كيف تحددون الخطأ سيدي اللواء . لكنني صمت واستمر بالثرثرة . وذات مرة قال لي لا أعرف ضمن أي سياق في حديثنا لأنني صرت أشرد من كثرة ثرثرته قال: الشعب السوري مجنون ، هل يوجد عاقل يرمي نفسه وأولاده إلى التهلكة ويركبون قوارب الموت ، أي بهائم هؤلاء ، كم كان صعباً ومُهيناً علي ألا أقول له : لكن هؤلاء الذين تقول عنهم بهائم قد دمرت البراميل المتفجرة بيوتهم ويريدون أن ينجوا بحياتهم . لكنني لزمت الصمت ووضعت هاتفي على الطاولة عند قدمي مباشرة تاركة اللواء يثرثر ويثرثر لساعات كلاماً لامعنى له وكم كنت أفرح حين يستأذنني أنه سينهي المكالمة لأن عليه أن يوقع بريداً . كنت أتظاهر بالإنزعاج والخيبة لأنهاء المكالمة ثم كنت أتنفس الصعداء وأنهال بالشتائم على اللواء والعصابة التي تتحكم بحياتنا.
فرع الأمن العسكري
بعد الحفل الهزلي لتكريمي في اللاذقية من قبل منصة الحوار السوري السوري ، والتقرير الكيدي الذي كتبه المُنحط أخلاقياً ( ب . س ) وهو مسيحي منبطح للنظام ويتعاون مع أجهزة الأمن ويدعي أنه فنان تشكيلي ، كان لا بد أن أتواسط لدى اللواء كي لا أنتظر ساعات في غرفة بائسة وحيدة متروكة حتى يتعاظم ذعري حتى الحد الأقصى وما من أحد أسأله : كم سأنتظر ؟ كانت أجهزة الأمن كلها تعتمد سياسة موحدة في جعل من تستدعيه للتحقيق تنهار أعصابه بسبب إنتظاره لساعات وحيداً في غرفة بائسة ، وكنت أحس بالذعر وأجد نفسي أخرج من الغرفة التي تم إحتجازي بها وأدور في رواق طويل ضيق ينفتح على مكاتب ، أدخل أي مكتب أجد موظفين بوجوه كالحة متجهمة ألفي عليهم التحية فلا يرفع أي منهم رأسه ولا يرد أحد التحية ولا ينظرون بإتجاهي وكأنني شبح ، فأصير إنسانة أخرى ، أصبح ذليلة وضعيفة ومذعورة أردوهم أن يقولوا لي كم سأنتظر ؟ لا يرد أحد ، أقصد غرفة أخرى لأكرر المشهد ذاته ولا أحد يبالي بي وبسؤالي كم سأنتظر ؟ ويبدو أن أجهزة الأمن تتعاون مع أطباء نفسانيين لأنهم يعرفون تماماً اللحظة التي سينها فيها من إستدعوه للتحقيق فيرسلون في طلبه وهو أشبه بالعجينة وقد فقد كرامته وعزة نفسه وأدرك تماماً أنه يواجه وحوشاً يملكون الحق والسلطة أن يتصرفوا معه كما يريدون . مراراً وصلت إلى حافة الإنهيار بعد إنتظار ساعات في غرفة بائسة وحيدة مع هواجسي ومخاوفي لدرجة أخشى أن أبدأ بالصراخ وشد شعري ولطم وجهي وصدري ويبدأ خيالي بتعذيبي بفرز صور مُخيفة ومروعة تصورني وقد فقدت عقلي أرتمي أرضاً وأصرخ وأشتم وأعوي وتصدر عني أصواتاً كأصوات حيوانات مذبوحه ، في تلك اللحظة بالذات كان يدخل شاب عابس ويقول لي العميد ( أو العقيد بإنتظارك ) . الغريب أن سيادة اللواء لم يزيل منع السفر عني للتو هذه المرة ، ولم أجرؤ أن أسأله لماذا ؟ لذا كنت أتمسك بالتحدث إليه كأنه المُنقذ الوحيد من عالم الوحوش والإعتقال ومنع السفر والإستدعاء للتحقيق ، لذا رجوته أن يتواسط اي مع المسؤول عن التحقيق معي في فرع الأمن العسكري كي لا أنتظر ساعات ، وإبتلعت إهانته الحقيرة حين ضحك بصفاقة قائلاً : غريب أمرك دكتورة ؟ لماذا يوترك الإنتظار إلى هذه الدرجة ، ماذا لو قلت لك بأن إبنتي إنتظرت البارحة أربع ساعات في عيادة طبيب النسائية رغم أنها كانت قد طلبت موعداً مُسبقاً ، كتمت صراخي الذي أحستته سيزلزل الجدران لو إنطلق ووددت لو أقول له وهل الإنتظار في أحد فروع الأمن مثل الإنتظار في عيادة طبيب ؟! لكنني كنت تحت رحمته وعدني أنه سيتواسط لي عند العقيد في فرع الأمن العسكري في اللاذقية كي لا أنتظر ، وفعلاً لم أنتظر لكن قبل موعدي بنصف ساعة مع العقيد في فرع الأمن العسكري وكنت وحيدة في بيتي أحاول بث الشجاعة في روحي وإعتبار الأمر بسيط وبأنها ليست المرة الأولى التي أستدعى للتحقيق وبأن لواء في المخابرات الجوية قد تواسط لي ، لكن فجأة انهرت وسقطت أرضاً وأنا أعوي من الوجع ، كانت كل خلية في جسدي تؤلمني كما لو أن تياراً كهربائياً يصعقها ، وبدأت أهذي واللعاب يسيل من فمي : لم أعد أستطيع التحمل ، لم أعد أستطيع التحمل ، وكررت تلك العبارة مراراً وكل مرة بصوت أعلى ووجع أكبر ، ولأول مرة أشعر بنعمة جعير المولدات التي حمتني من أن يسمع الجيران صراخي ، ولا أعرف كيف استطعت النهوض في اللحظة الأخيرة وإبتلعت حبة مهدىء للأعصاب وإبتلعت جرعتين من زجاجة الويسكي ، ونزلت الدرج مترنحة لأن الكهرباء مقطوعة والمصعد معطل ، أوقفت تاكسي وقلت للسائق : إلى مبنى الأمن العسكري فنظر إلي من المرآة الأمامية لسيارته وقال مندهشاً : خير أختي شو عاملة !!! لم أرد كنت أتأمل طوابير الناس منتظرة بالمئات عند كوة في شارع الشيخ ضاهر بإنتظار توزيع الخبز ، وعلى يساري مدرة جول جمال المُشوهة وقد تحولت إلى ثكنة عسكرية وأحاطوها بحواجز من الإسمنت وسلاسل الحديد وتمثال حافظ الأسد العملاق ينتصب شامخاً وسط المشهد السريالي ، كنت أتأمل الدكاكين المختنقة ببضائع من الصين والناس التي تمشي في الشارع والمتسولين ومعظمهم أطفال والمجندين الذين يمشون يعرجون وأسلاك معدنية تثقب لحم أفخاذهم وأيديهم ومعظمهم يحمل عصا يتكىء عليها ، كنت أهمس لنفسي : هذه هي حياتنا ، ووصلت المبنى كان موظفاً يجلس في غرفة خشبية بالكاد تتسع له لا يلبس قميصاً بل يلبس فانيلا بسبب الحر وقد برزت حلمة ثديه من الفانيلا ، قال لي بإحتقار وجفاء أعطني هويتك ، قدمت له الهوية فأخذ يكتب بتأني وببطء مدمر للأعصاب ثم نادى مجنداً نحيلاً أسنانه مسوسة وسوداء وقال له : خذها . للوهلة الأولى لم أعي أنه يقصدني بكلمة خذها كما لو أنني كرسي أو أي غرض ، ومشيت بجانب إبن بلدي البائس المدقع الفقر الصامت ورغبت أن أعطيه مالاً ليشتري طعاماً فقد روعني نحوله ، وقادني إلى غرفة المحقق الذي كان واقفاً وسط مكتبه جامد الملامح وقد تعمد أن يبالغ في إطباق شفتيه علامة الإزدراء ، وعلى يساره أكثر من ثمانية أجهزة هاتف ، وهو كالساحر يرد على كل جهاز يرن ، جلست على صوفا بائسة رائحتها روث بقر ( هكذا أحسست ) وأمسك مجموعة أوراق بين يديه وأخذ يقلبها ببطىء ودون أن ينظر لي ، وطال الصمت بيننا وأحسسته صمت من رصاص ثم قرأ لي مقطعاً من مقالي عن الخوذ البيض ، وكنت قد كتبت المقال منذ أربع سنوات ، وسألني بجفاء : أنت معجبة بالخوذ البيض وتمتدحينهم ، قلت له : كتبت هذا المقال منذ أربع سنوات ، كرر كأنه لا يبالي بجوابي : واضح أنك تؤيدينهم ومعجبة بهم وهم إرهابيين وسفلة كما قال السيد الرئيس . فلم أرد لأنني لم أعرف ماذا يمكن أن أقول ، وثقب عيني بنظرته الحقودة وقال أنتظر ردك ، قلت : في ذلك الوقت عدة قنوات تلفزيونية عرضت ما يقوم به الخوذ البيض من أعمال إغاثة ورفع الناس من تحت الأنقاض ، على كل لا يوجد إعلام محايد ، وكأن تلك العبارة فتنته فتمسك بها وتغيرت نبرة صوته وقال : هل تتكرمين وتشرحين لي ماذا تقصدين بإعلام محايد ؟سألته : هل تتقبل صراحتي أقصد أن أحكي بحرية ؟ رد بثقة ليشجعني على الكلام : طبعاً فنحن شركاء في القرار ( ويقصد بنحن أنا وهو وأجهزة الأمن ) أصابني الذهول فسألته : أي قرار!!! لو سمحت اشرح لي كيف أنا وحضرتكم شركاء في القرار ، فرد بنزق : أجيبي على سؤالي : ماذا تقصدين لا يوجد إعلاماً محايداً ؟ قلت له : عام 2013 حين بدأ جحيم حلب وكانت كل تلفزيونات سوريا تنقل جحيم حلب وتكتب على شاشاتها بالأحمر العريض حلب تحت النار ، وجحيم حلب أكيد حضرتك تذكر ذلك ؟ قال : طبعاً ، قلت له كان المذيع الذي ينقل أخبار حلب يقول : إبتسم أنت في حلب . تجهم وجهه وأخذت عضلات فكيه تتقلص بقوة أحسست أنه سيأمر بإعتقالي لكنه قال لي : بإمكانك الإنصراف في كل الأحوال التقرير الذي قدموه لنا هو تقريراً كيدياً ، فسألته وأنا أكظم غيظي : ولماذا تأخذون بالتقارير الكيدية ؟ وتمنعونني من السفر ؟ ألا يفترض بمن كتب تقريراً كيدياً أن يُعاقب ؟ قال: بإمكانك الإنصراف ويمكنك مراجعة قسم الجوازات بعد اسبوعين للتأكد أن منع السفر قد ألغي . خرجت من مكتبه ألهث بحالة إنهاك ونظري مشوش كانت ركبتاي ترتجفان لا إرادياً وأنا أنزل الدرج لدرجة خفت أن أسقط أرضاً ، وبدأت أنفاسي تتسارع بشكل كبير كأنني أختنق ، وبعد أن عبرت الحواجز الإسمنتية ومشيت بضعة خطوات في الطريق خارت قواي ولمحت شجرة وارفة الظلال وآمنت أنها نبتت للتو كي أرتمي في ظلها وجلست تحتها أحاول السيطرة على تسارع أنفاسي ، وبدا لي وجودنا عبثياً على نحو لا يُصدق في هذه الحياة ، وإستحضرت الوجه الأحب إلى قلبي المزروع كالوشم في ذاكرتي وقلبي وجه إبنتي ، وكم
تألمت كانت ملامحها باهته وكأن وجهها مرتسماً على صفحة ماء ، واستمت لأستمد القوة من وجهها وشكرت الدنيا أنها لا تعيش في بلد الذعر سوريا ، اقترب مني رجل لطيف يملك دكاناً صغيرة وسألني : أختي يبدو أنك مريضة هل تحتاجين أي شيء ، قلت له أريد ماء لو سمحت ، وكررت كالببغاء أريد ماء وأحضر لي زجاجة ماء من دكانه فشربتها وساعدني على النهوض ورجاني أن أجلس لدقائق في دكانه كي أستعيد قواي ، رشقته بنظرة حاقدة وفكرت أنه قد يكون مخابرات ، قلت له أشكرك . أوقفت تاكسي وبعد أن أعطيته عنوان بيتي قلت له : أنزلني قرب مقهى الشيخ ضاهر وجلست في مقهى ماشطة حيث على بعد عدة أمتار منه شعب الطابور أخرساً ذليلاً ينتظر توزيع خبزاً مُعجناً لا يؤكل ، واتصل بي اللواء ليطمئن إن كانت الأمور قد سارت كما أتمنى وجدتني أنفجر به : أريد أن أعرف لماذا لم تساعدني وتزيل منع السفر للتو كما تصرفت معي السنة الماضية كنت في أقصى درجات الإنفعال ، إرتبك وقال لي : صدقيني الموظفين تغيروا ، السنة الماضية كان أحد أعز أصدقائي وكان تلميذي لذا حين طلبت منه أن يرقع منع السفر عنك لبى طلبي للتو ، لكن الظروف تغيرت و ..لم أتركه يكمل قلت له : لكنك لواء في المخابرات الجوية يعني أنت الله . أجفل وقال: أنت متوترة جداً جداً لا أصدق أنني خائفة ومتوترة اهذه الدرجة هل أزعجك أحد في الأمن العسكري صدقيني اتصلت بهم مراراً هل إنتظرت ؟ قلت : لا . قال لماذا إذا أنت بهذه الحالة ، إنسانة رائعة مثلك تكتب كتابات عظيمة كيف تنهارين هكذا ؟ لم أكن أعرف أن سؤاله هذا وبالطريقة التي قالها بها سوف تجعلني أقرر أنني سأباشر في كتابة رواية لا أعرف سيئاً عنها سوى أنها محاولة لإيجاد جواب لسؤاله : كاتبة مبدعة مثلك كيف تنهار ؟ وتحول السؤال إلى شكل آخر : كيف ينهار بلد عظيم كسوريا وتماهيت تماماً مع اللاذقية وصرت أنا والمكان واحد . تأسفت للواء وكان لطيفاً ومتفاجئاً وغير قادر على فهم حالتي ، ووجدتني أعود إلى بيتي وأجلس و:انني لم أكن منهارة منذ لحظات ، وخلال ساعة كنت قد كتبت مقالي : بين عيادة الطبيب وفرع الأمن وأرسلته للنشر . ثم جلست على الشرفة أشتم جعير المولدات والسخام الأسود المُسرطن الخارج منها ولكنني كنت أنفث دخان الأركيلة بمتعة وأنا أرنو للشريط الأزرق للبحر كما لو أنه ورق لاصق كنت سعيدة أنني كتبت مقالي وعرفت بحدسي أنه لم يعد بإمكاني العيش في اللاذقية . ومساء اتصل بي اللواء وأراد أن يفهم لماذا انهارت أعصابي بتلك الطريقة ، قلت له بأنني كنت متوترة جداً لأنني علمت أن أعز صديقاتي مصابة بالسرطان وأظن اللواء لم يصدقني وأنا لم أبالي هل صدقني أم لا . كان يعرف تماماً أي مجرمين هم ويعرف أنني إنهرت عصبياً بسببهم . وكي أجنب نفسي قصصه المملة قمت لأقرع مراراً جرس باب بيتي وتظاهرت أنني أستقبل صديقة وأعفيت نفسي من حديث اللواء ، لم أجرؤ أن أستعيد تفاصيل يومي الجهنمي ، تناولت الدواء المهدىء سددت أذني بالسدادات المطاطية وتكورت في سريري كجنين وأنا أغفو على هدهدة غريبة لروحي : يا أولاد القحبة ، كررت تلك العبارة مرات ومرات حتى رأف بي النوم .
العشيق الذي لا أطيقه
وحدة باريس لا تشبه أيه وحدة في العالم ، إنها أشيه بالحكم بالإعدام ، شعور قاسي لا فكاك منه ، يداهمك من الصباح الباكر فتشعر أنك بين فكي كماشة ، المؤلم أن لا أحد يفهمك ويحس بك إذ يبدو حنينك لوطنك الذي تعاني من ألم الإنسلاخ عنه تافهاً ويثير السخرية ، أختي تقول لي : ما الذي ينقصك في باريس ؟ كنت ستنهارين من التوتر والقلق في اللاذقية ؟ والآن في باريس لديك كل الحرية والأمان وتسكنين شقة مستقلة جميلة ، لا أرد على كلامها لأن من لا يجيد قراءة الحزن في عينيك لن يكون صديقك أبداً . كنت أعاني ساعات الأرق الطويلة التي تبدو لانهائية ، أستيقظ الثالثة فجراً بشعور خانق بالغيظ والقهر فأنا أريد قتل الوقت بأية طريقة ، وأعرف سلفاً أنني لن أستطيع معاودة النوم ، أشرب القهوة في الظلام وأقلب صفحات الفيس بوك وأقرأ عناوين المقالات في صحف عديدة ، من أقرأ لهم مقالاتهم كاملة قلة مثل الياس خوري وحازم صاغية وراشد عيسى ، هؤلاء حريصة على متابعة مقالاتهم ، أحس روحي تزهق حتى تشرق الشمس الشاحبة في باريس ، وعند الثامنة صباحاً أو التاسعة ينتابني وهن شديد ونعاس أقاومه بالمزيد من القهوة ، وأحياناً يخطر لي لو أبتلع منوماً وأسحق الوقت بالنوم ، لكنني أجبر نفسي على الخروج والتسكع في شوارع باريس وتحت المطر والبرد وأنحشر في الباصات وسط غرباء ، التقيته في بيت صديق مشترك كان مُعارضاً شريفاً يعيش في باريس منذ أكثر من أربعين عاماً متزوجاً من امرأة أصيبت بألزهايمر ولديه إبن وإبنه في الأربعينات من عمرهم وغير متزوجين ، التقيته عند صديقنا المشترك إذ كنا مدعوين للغداء ،لم يخصني بنظرة ولم يتكلم إلا بضعة كلمات ، لكنني أحسست أنه يتعمد ألا ينظر إلي وأمتعني هذا الشعور ، أؤمن أن حدس الأنثى لا يمكن أن يُخطىْ لقد عشقني أقولها بثقة ودون ذرة غرور ، فيما بعد وحين توطدت علاقتنا إعترف لي أنني أسرته من أول نظرة وبأنني نموذج النساء اللاتي يعشق ، كان مثقفاً وذو كرامة عالية وكبرياء وكان قد تعرض للإعتقال في عمر سبعة عشر عاماً حين كان في سوريا ، وأشبعوه ضرباً في المعتقل لدرجة أن قرنية عينه اليمنى تمزقت ، واحتاج فيما بعد إلى إجراء عدة عمليات لعينه ، ثم حلت القطيعة التامة بينه وبين صديقنا المشترك لأنه إعتبر الصديق إياه خائن ومُعارض مرتبط بدولة خليجية وقبض الملايين والتقى بندر بن سلطان . حلت القطيعة بينهما ، ولم ينفع تدخلي . ووجدت حلاً ممتازاً لوحدتي بأن أصادق العاشق المتيم الذي كان يصطحبني إلى أجمل المناطق في باريس إلى متحف مونية وقرى ساحرة الجمال في الريف الفرنسي . لم أكن أبذل أي جهد ليحبني ، كل ما
كنت أريده منه أن يصطحبني في مشاوير وأن نتكلم ، كنت أعشق روحه وعقله وثقافته ونظرات الوله من عينيه نحوي وكنت أضحك وأسأله : لماذا أحببتني ؟ ما الذي يميزني ؟ وأنا أتعبك أحكي دوماً عن كرهي لنمط العيش في باريس وأعيش ممزقة بين حنين إلى وطن يذلني بأجهزته الأمنية وبين عيش آمن في باريس لكن بلا روح . فكان يقول لي : صدقيني لم أحب امرأة كما أحببتك . وكنت أصدقه .
كنت أتجاهل نظرات الشهوة في عينيه خاصة عينه اليمنى التي ترك الضرب المبرح عليها في فرع المخابرات لما أعتقل في السابعة عشرة من عمره كثافة بيضاء تعيق التعبير في عينيه ، وكنت أحسه مثيراً للشفقة والسخرية وهو يشتهيني بقوة وإلحاح وتوسل ، وأشعر أن هيبته تضيع تماماً وتتمرغ في وحل شهوته ، لكن لم أكن لا مبالية إطلاقاً بإشتهائه لي ، فهو رجل مثقف جداً ومُعارض شريف يرفض المساومة على مبادئه ، كان يحكي لي كيف يحاول النظام السوري التواسط معه بإستمرار للعودة إلى سوريا وليستلم منصباً رفيعاً كمدير لجامعة دمشق أو وزيراً ، كان النظام يُرسل له وسطاء يحاولون إقناعه طوال ساعات بالعودة إلى وطنه الذي هجره منذ أكثر من أربعين عاماً ولم يزه مرة واحدة أبداً ، وكانت زوجته السورية تخضع لتحقيق لساعات في أحد الفروع الأمنية كلما زارت سوريا ويسألونها عن زوجها المُعارض وماذا يعمل ومن يلتقي وماذا يكتب ؟ وغالياً ما يطلبون منها أن تكتب أقوالها حتى غضبت ذات يوم وقالت لهم : سوف أطلقه . كم كان يحب أن يبوح لي بأفكاره ومشاعره ، كنت ملاذه وفرحة وحبه الذي زلزل كيانه ، وكنت في مكان آخر لا وجود له فيه ، حكى لي عن إبن أخيه رئيس الحرس الجمهوري في النظام السوري وبأنه على قطيعة تامة معه ، وحكى لي كيف سرق أحد إخوته حصته من الميراث ، لكن أكثر ما كان يؤلمه إبنته الفاشلة في كل إختياراتها ، والتي عاشن العديد من العلاقات العاطفية التي إنتهت كلها بأزمات نفسية حادة ، ووصلت إلى عمر تجاوزت الأربعين بسنوات وترغب أن تتبنى طفلاً لكنها غير مستقرة في عملها ، إذ تقضي أشهراً عاطلة عن العمل . لم أكن أبالي أن يغيب عن لقائي أياماً أو ألا يتصل ، كان عاشقاً فاشلاً أو بتعبير أدق نسي أدبيات العشاق ، كنت أسخر منه وأتعجب كيف يشعر أنه مُتيم بي ولا يتصل لأيام ليفاجؤني بعد أيام بإتصاله وبأنه يرغب أن نلتقي ، لا أعاتبه أبداً لأنني لا أريد منه سوى سنداً لوحدتي القاتلة في باريس ، كنت أحدث نفسي وأنا أنتظره ليصطحبني في جولة ممتعة في الريف الباريسي : المسكين عجوز ، خطوط وجهه عميقة أشبه بالأخاديد ، شعره خفيف وأبيض وأسنانه بحالة سيئة جداً ولديه كرش وقصير القامة لكن واضح أنه كان شاباً جميلاً ، كنت أنتظره عند مدخل زقاق بيتي متأنقة ، متعطرة ، وكان يكره العطر ولا يتعطر ، أصعد إلى جانبه ونمسك أيدي بعضنا ، أعطيه يدي كما لو أنني أعطيه قطعة شوكولا ، ينظر إلي فأركز نظري بحنان وشفقة على الكثافة البيضاء في عينه ، أمسح على شعره بحنان ، أمرر أصابعي بين خصلات شعره الرقيق الناعم ، لا شيء يأسرني كالحنان والتعاطف مع المقهورين والمظلومين ، أشعر أنني أداعب رأس شاب بعمر سبعة عشر عاماً أشبعته المخابرات السورية ضرباً لدرجة مزقت قرنية عينه وتركت فيها عطباً دائماً ، هذه الكثافة البيضاء البشعة في قرنية عينه اليمنى هي ما قدمه لو وطنه ، كان يرغب أن يٌبلني من فمي ويقول أنني شهية جداً ، وكنت أبتسم لأداري إرتباكي وربما قرفي من وضع أسنانه المزري فكيف أقبله ؟؟ لكنني في الوقا نفسه كنت أشعر أنني مدينة له بالكثير بوقته ، بحبه ، بإهتمامه ، بإعجابه بكتابتي وإفتتانه بأنوثتي ، بإعترافه أنه هجر جنس النساء منذ سنوات لكنه أحبني بوله ، كنت بحالة مثالية من اللامبالاة أوصلتني لها خيباتي وآلام روحي المتواصلة ، لم يعد لدي طاقة لأظل بحالة ألم حاد ، الجهاز العصبي ينهار لو بقي بحالة ألم متواصل ، لذا حميت أعصابي من الإنهيار باللامبالاة ، فلأقبله ، لم لا ؟ ماذا أخسر ؟ علي أن أكافئه بطريقة ما ، كنا نقف وسط حديقة ساحرة وهواء بارد منعش يداعب وجهينا ويطير شعري ، اقترب مني ووقف مقابلي وداعب وجهي بأصابعه الثخينة ، كانت يده تفتقد لمقومات الرجولة فهي أشبه برغيف خبز خارج للتو من الفرن ، يد بضة بأصابع ثخينة قصيرة تفتقد للرشاقة ، داعب خدي وقال بأنه يعشقني ، قررت أن أسمح له بتقبيلي فهو يستحق ، هي مجرد قبلة ، وكانت قبلة كارثية بالنسبة لي ، أحسست روحي تتعكر كما لو أنك ألقيت حجرة على سطح بحيرة فخلفت الكثير من الدوائر ، خجلت أ، أدير وجهي وأمسح لعابه عن شفتي وأقاوم الغثيان الذي حرضه لسانه المنتصب في فمي ، كما لو أنه يعوض عن عجزه الجنسي بإنتصاب لسانه ، أسقطت حقيبتي عمداً على الأرض كي أتمكن من الإنحناء ومسح بقايا لعابه عن فمي بكم قميصي ، كان منتشياً ومُثاراً واحتجت لوقت طويل كي أسيطر على إضطراب أعماقي ، وعدنا إلأى السيارة ودعاني للغداء في مطعم رائع تحيطه الغابات ويبدو كأنه بيت خيالي ، كان من ذواقي النبيذ المشهورين في العالم ، وساعدني شرب النبيذ على الإسترخاء كذلك الطعام اللذيذ ، ودبت نوبة فرح في نفسي فطلبت من النادلة أن تصورني أرفع كأس النبيذ ، ثم أن تصورنا معاً بجهاز موبايلي ، أردت أن أمحو التأثير المُقرف للقبلة في روحي وفكرت ألا يخجل رجل كهل أسنانه مهترئة أن يُقبل بتلك الطريقة الإقتحامية كما لو أنه يتمتع بكل نضارة الشباب . ادعيت أنني سأقصد الحمام وطالعتني المرآة بنظرة غاضبة ومتعكرة ونزقة ونافذة الصبر كنت أريد في تلك اللحظة أ، أكون وحدي ، ووجدتني أفرك أسناني برغوة الصابون بقسوة لدرجة جرحت لثتي ، كنت شعر أن لعابه لا يزال في فمي ، عدت إليه وطابت كأساً ثانياُ من النبيذ قال : أخشى أن لا تتحملين المزيد من النبيذ فهو من النوع القوي ، ضحكت وقلت له. وهو المطلوب أريد أن أغيب أن أغيب . فقال عن ماذا ؟ قلت : عن نفسي ، روحي ممزقة بين هنا وهناك ، كنت بحاجة أن أكرر تلك العبارة مراراً ، أمسك يدي بحنان وقال أفهمك ، وطلب لي كأساً ثانية من النبيذ ، سألته ألا تريد المزيد من النبيذ ؟ قال : لا علي
أن أقود السيارة ولا أريد أن أسقط في قبضة الشرطة ، أصابني دوار لذيذ من مفعول النبيذ ، وخدر ، وفي طريق العودة كنت أتأمل أكوام الأعلاف العملاقة الملفوفة كأسطوانات عملاقة ، وبدأت الشمس تتشظى من خلال اغصان الأشجار ، الغروب يفتنني ، قلت له : أتعرف ذات يوم كتبت قصة بعنوان ( غروب بلون الحب ) ، فقال : أحب كتابتك وجرأتك أنا أحترمك جداً ، صدقاً أحترمك جداً وشعرت بتأنيب الضمير وبأنني أنانية وألهو به ، هذا الرجل العظيم يعشقني ويدعمني ويستمع إلي ويقويني ، ويحبني ويهديني وقته أي عار أن أحس بكل هذا القرف من قبلة ؟ ! أمسكت يده ورفعتها إلى شفتي وقبلتها وقلت له : أحبك فأنت عظيم . وساورتني نفسي أن أغامر وأقبله من فمه وهممت بالإقتراب منه لأقبله لكنني تراجعت مجفلة في اللحظة الأخيرة وقبلته من خده .
قدمني بفخر إلى العديد من أصدقائه كصديقة من سوريا ، كعاشقة لسوريا ، كنت أحس بفخر وأنا أجلس في أجمل مقاهي باريس خاصة منطقة السان جيرمان التي أعشقها مع نخبة من المثقفين لنقاشاتهم وأشارك بها ، وكم كان يُسعدني إهتمامهم الكبير بالأخبار التي أخبرهم إياها عن الداخل السوري ، عن التفاصيل الصغيرة ، عن خوف الناس وتوغل الأجهزة الأمنية ،في حياة المواطن السوري . كانوا يسألونني ماذا يدور من نقاشات بيني وبين ضباط الأمن حين يدعونني لشرب فنجان قهوة وإكتشافي على الحدود السورية اللبنانية ( العريضة ) أنني ممنوعة من السفر ، وبأنه يتوجب علي مراجعة أحد فروع أمن الدولة ، وذات يوم وكنت مسافرة لحضور ندوة في البحرين بدعوة من وزيرة الثقافة مي آل خليفة ، فاجأني الضابط على الحدود السورية اللبنانية ( العريضة ) أنني ممنوعة من السفر ورغم توسلي له بأن يسمح لي بالسفر وقد وضعت بطاقة الطيران على مكتبه لكنه قال بحسم أنه عبد مأمور وبأن الأوامر تأتيه من فوق وأشار إلى السماء ، لكنه كان لطيفاً وأحسسته تعاطف معي فسألني : متى موعد سفرك بالطائرة إلى البحرين ؟ قلت : الرابعة عصراً . فقال : لا تزال الساعة العاشرة صباحاً سأحاول مساعدتك بأن أرسل برقية إلى فرع الأمن في طرطوس عساهم يحلون المشكلة ، وفعلاً كان ضابطاً لطيفاً وإنسانياً إذ أمر بسرعة أن يسرعوا بإرسال برقية إلى فرع الأمن في طرطوس والذي يبعد أقل من نصف ساعة عن الحدود السورية اللبنانية ، كان يوماً قائظاً في إيلول وأثرت شكوك سائق السيارة الذي يقلني إلى الحدود وسألني متشككاً : هل أنت متورطة بمشكلة ما ؟ أحسسته يخاف مني ، فقلت : لستُ متورطة بشيء أبداً ، ووصلنا إلى فرع الأمن في طرطوس ، وإجتزت مشياً طريقاً طويلاً تقطعه حواجز اسمنتية ضخمة ، ووصلت المبنى وأدخلني المُجند إلى غرفة العميد الذي استقبلني بحفاوة مُنافقة وقال لي : خير لماذا أنت متوترة لهذه الدرجة ؟ أنت في بيتك ، يا سلام صارت فروع الأمن بيوتنا وتركني للحظات وكان جهاز تلفزيون عملاق في مكتبه يبث أخباراً من الفضائية السورية عن أنجيلينا جولي أثناء زيارتها لمخيم الزعتري وكان تعليق الإعلام السوري كالتالي : ممثلة هوليود المندسة أنجلينا جولي تزور مخيم الزعتري ، عاد العميد ليسألني ماذا أشرب ؟ قلت : أشكرك لا أريد أي شيء لكن أتمنى لو تساعدني لأسافر ، فقال : لا أقبل أنت ضيفة عزيزة ويجب أن تشربي أي شيء فطلبت شاياً وقال لي أنه سيجري إتصاللاته مع دمشق من غرفة مجاورة ، ولم أفهم لم لا يُجريها من غرفة مكتبه وأمامي ، وغاب نصف ساعة وعاد ليتأسف لي بأن جهوده لم تثمر في منعي من السفر ، لكنه أكد لي أن المشكلة بسيطة ، سألته : لو أن المشكلة بسيطة فلماذا لم تتمكن من إلغاء منع السفر ؟ قال : آسف يجب أن تراجعي فرع المخابرات الجوية في دمشق رقم 224 . عدت إلى اللاذقية ودخلت بيتي مكسورة القلب والكرامة .
الصورة
تتسمر نظراتي على كلمة ( الصورة التي كتبتها للتو ) ، وأحس أنني متجمدة في مكاني ، كما لو أن لا أحد سوف يصدقني حين سأحكي هذه الحكاية ، ما حصل أنه تم إستدعائي لجهاز الأمن العسكري ( المخابرات العسكرية ) وكالعادة لاأعرف السبب ، كنت بحالة نفسية على شفير الإنهيار ، وحيدة ومتأزمة وممنوعة من السفر ، كنت أعرف أنني عاجزة مهما شحذت إرادتي عن الإنتظار لساعات في فرع الأمن العسكري لإذلالي وإيصالي إلى حالة من الإنهيار العصبي قبل أن أدخل لمقابلة العميد أو العقيد الذي سيحقق معي ، صدقاً حدسي كان من الوضوح والدقة أنني عاجزة عن الإنتظار ، تعبت ، التعب المزمن والإذلال المزمن قد يقودان للإنتحار كما قرأت مقالاً في الطب النفسي ، فكرت باللواء عاشق مقالاتي ورواياتي والذي يدين لي أنني أستمع لساعات لثرثرته المملة حتى أكاد أحس بالإختناق ، اتصلت به لم يرد ، تركت له رسالة بأنني في مأزق وأحتاج مساعدته ، إتصل بي بعد ساعتين فحكيت له قصة إستدعائي إلى فرع مخابرات الأمن العسكري ومنعي من السفر ، أوحى لي أنه ممتعضاً وقال : السفلة كيف يمنعون إنسانة مبدعة ورقيقة مثلك من السفر ، كانت قناعتي أنه هو من أصدر قراراً بمنعي من السفر لكننا نلعب لعبة القط والفأر ، أنا لا أظهر له شكوكي وهو يعرب لي عن إعجابه الشديد بما أكتب ،وطلب مني أن أرسل له بعض المقالات التي أنتقد فيها المُعارضة ، وقال أنها ستكون مهمة جداً في الإلغاء الفوري لمنع السفر ، كنت قد كتبت مقالات في إنتقاد المعارضة ، لكنها كانت تنتقد النظام أيضاً لدرجة أن أحد مقالاتي وكان بعنوان ( من يمثل الشعب السوري ) كان نصف المقال ينتقد النظام ونصفه الآخر ينتقد المعارضة ، وتكن قراءة نصف المقال الذي ينتقد المعارضة في الفضائية السورية ، ونصف المقال الذي ينتقد النظام في
تلفزيون سوريا المُعارض . وفجأة التمعت في خيالي الصورة ، وصرخت : سيادة اللواء أملك صورة – وكأنني أملك كنزاً أو صك براءتي – فسأل أيه صورة ، فحيت له الحادثة ، إذ دأبت السيدة الأولى ( سيدة الياسمين ) أن تكرم نساء سوريات كل سنة في عيد الأم ، وقد كرمت العديد من أمهات الشهداء من مختلف قرى ومدن سوريا وإستضافتهن في دمشق وكرمتهن وقدمت لهن غداء فاخراً وهدايا قيمة ، وفي السنة التالية وبمناسبة عيد الأم قررت السيدة الأولى تكريم نساء مبدعات من سوريا ، وفعلا تم إختيار بعض الكاتبات والشاعرات والممثلات والحقوقيات من مختلف مناطق سوريا ، لم أكن أعرف بدقة ما هو التكريم ولم أكن أعرف أننا سنقابل السيدة الأولى أسماء الأسد ، اعتقدت أنه نشاط يُشبه النشاطات الهزلية لإتحاد الكتاب العرب ، وترددت في الذهاب فلا أكلك الهمة لأسافر من اللاذقية إلى دمشق من أجل سماع شعارات طنانة منافقة وبعدها يعطونني درعاً تقديراً لأعمالي – كما كانوا يكرموننا في إتحاد الكتاب العرب – لكن صديقة لي وهي شاعرة ومدعوة لتكريمها أقنعتني أن رفض هكذا تكريم مؤذي جداً وبأنني محظوظة أن وقع الخيار علي ككاتبة مهمة في سوريا ، وسافرت مع مجموعة من النساء المبدعات إلى دمشق في ميكروباص عتيق ، ووصلنا إلى نادي الضباط حيث كان بإنتظارنا غداء فاخر ، ثم طلب منا المسؤول الموظف عند السيدة الأولى أن نتجه إلى الباصات التي ستقلنا إلى قاعة أمية ، وهي قاعة رائعة بالغة الذوق والفخامة عرفت أن الرئيس حافظ الأسد كان يستقبل الوفود التي تزوره فيها ، وغصت قاعة أمية بالمبدعات السوريات ، وكان الطاقم الذي يعمل لدى السيدة الأولى مميزاً وراقياً شابات جميلات أنيقات وقد ضفرن شعرهن بأناقة ويلبسن لباساً أنيقاً موحداً من اللون الكحلي بتنورة قصيرة تكشف الركبة وما فرقها ، ومجموعة من الشبان الأنيقين ، وكان هذا الطاقم قمة في التهذيب ، بوجوههم المبتسمة ولباقتهم في السلوك وكانوا يدورون بيننا حاملين صواني فخمة مملئة بأفخر أنواع الحلويات والأسماك الفاخرة كالسومون فوميه وقطع صغيرة من الكبة والفطائر ، ورغم أننا كنا قد تناولن الغداء في نادي الضباط لكن الأكل الشهي الفاخر فتح شهيتنا على الأكل ، وفجأة أعلن الموظف المسؤول عن وفد النساء المبدعات عن وصول السيدة الأولى بعد دقائق ، ووقفنا جميعاً إحتراماً ، ودخلت أسماء الأسد رشيقة بالغة النحول تلبس فستاناً بسيطاً ، بلا أيه زخرفة ولا تلبس مجوهرات إطلاقاً وبالكاد تلحظ القليل من الماكياج على وجهها ، واعتلت منصة صغيرة وسط قاعة أمية ، وبدت مرتبكة وتحاول مداراة إرتباكها ، رحبت بالمبدعات وقالت أنها فخورة بمبدعات من وطنها الحبيب سوريا وبأنها تؤمن بدورهن الرائد في تطوير المجتمع فالمرأة هي الأم والزوجة والأخت والحبيبة ، وختمت كلامها بعبارة مؤثرة وراقية بأن كل مبدعة لديها أي طلب لتتكرم وتكتبه وتقدمه لأحد عناصر الفريق الذي يعمل عندها ، لم تستغرق كلمتها ربع الساعة ، وكانت كلمة راقية بلا تطنيب ولا مُبالغات ولا لغة إنشائية ولا لغة شعارات طنانة ، وفجأة بدأ جعير ممثلة مشهورة بزغاريد أجفلتنا وأجفلت أسماء الأسد وبعد زغاريدها بدأت تقرأ شعراً يُمجد السيدة الأولى ، وعلا التصفيق والزغاريد أيضاً فإرتبكت أسماء الأسد ، ثم كان من طقوس التكريم أن تتصور كل مُبدعة على حدا مع السيدة الأولى ، وحان دوري ووقفت بجانبها والتقط لنا المصور صورة ، سميتها فيما بعد صورة الإنقاذ التاريخية ، لدرجة أفكر أن أغير عنوان الرواية من ( أنا واللواء ) إلى عنوان ( صورة الإنقاذ التاريخية ) ، واعتقدت أن الإحتفال إنتهى وكنت أريد العودة فوراً إلى اللاذقية لأحتفل بعيد الأم مع إبنتي الحبيبة الوحيدة ، لكن منسق الحفل طلب منا أن نتجه إلى الباصات التي أعادتنا إلى نادي الضباط وطلب منا الجلوس على المقاعد في قاعة كبيرة ، وكانت شابة أنيقة بجانبه وبدأ يقرأ أسماء كل مبدعة فتتوجه إلى المنصة فيعطيها الصورة التي تجمعها بأسماء الأسد وهي صورة كبيرة بمساحة صفحة من كتاب كبير ، ويعطيها علبة مخملية صغيرة تضم قطعة ذهب ( مُخمسة ) وقد نُقش النسر على أحد وجوهها وعلى الوجه الآ خر كُتبت عبارة ( الجنة تحت أقدام الأمهات ) ، لمعت عيون المبدعات بالفرح والهدية الفخمة من الذهب عيار 22 مع ورقة كفالة وقصاصة ورق مكتوب عليها وزن قطعة الذهب ، وحين سمعت أسمي شعرت أن من تسير بإتجاه المنصة امرأة أخرى وبأنني لستُ في مكاني الطبيعي ، وبأنني وضيعة ، وبأنني لا أشبه نفسي فأنا لا أريد قطعة الذهب ، ولا أريد تكريماً تشارك فيه سيدة من وطني حتى لو كانت السيدة الأولى لكنها لا تمانع أن أجرجر إلى أجهزة الأمن وأن يصدر بحقي مراراً قراراً بمنعي من السفر ، لكن لم يكن أمامي من خيار آخر سوى قبول الهدية مع الصورة ، والعديد من المبدعات تباهين بصورتهن مع السيدة الأولى ووضعنها على صفحاتهن على الفيس بوك ، ولا أعرف أين وضعت الصورة ، لكن كلام اللواء حول ضرورة إرسال مقالات أنتقد فيها المُعارضة جعل ذكرى الصورة تلتمع في ذهني ، وحين أخبرته أن ثمة صورة تجمعني بالسيدة الأولى صرخ بحماسة وماذا تنتظرين إنها ستنقذك وسيتم إلغاء منع السفر بحقك أرسليها لي فوراً إلى موبايلي ، وبدأت عملية البحث عن الصورة ، ولم أعثر عليها وجن جنوني إذ يجب أن أحصل على صورة الإنقاذ ، وبدأت كالمجنونة أرمي محتويات المكتبة أرضاً خاصة ألبومات الصور وكنت أرمي الألبومات والكتب والصور أرضاً حتى غطت أرض الصالون ، وتقمصني رعب شلني تماماً : ماذا لو لم أجد الصورة !!!أي مصير مُخيف ينتظرني فقد يستمر منعي من السفر لسنوات وربما يعتقلونني ، وفجأة لمحت ظرفاً أسمر وكان يضم صورتي مع المُنقذه السيدة الأولى وأسرعت أرسل الصورة للواء في المخابرات الجوية فإتصل وقال : أتملكين هكذا صورة وتصمتين !! غريب أمرك أنت تملكين صورة مع زوجة الرئيس مع السيدة الأولى ، اطمئني سوف أرسلها لكل الأجهزة الأمنية ، تخثرت مشاعري ولم أعرف هل علي أن أفرح وأشعر بالطمأنينة أو ربما من الأفضل أن أرمي نفسي من شرفة منزلي في الطابق الخامس لأضع حداً لحياة ذل لانهائية ، وتأملت الصورة ، أنا والسيدة الأولى نقف بجانب بعض نبتسم للكاميرا وخلف الكاميرا جلادين وسجناء رأي قضوا عقوداً في السجن بسبب أفكارهم ، وصور
الآلاف الذين ماتوا تحت التعذيب ووجوه أصدقائي الذين سُجنوا لسنوات ، ووجه عبد العزيز الخير والمحامي خليل معتوق ، رأيت بوضوح شديد وجوه كل هؤلاء وأنا أتأمل أي قدر هزلي جمعني في لقطة تاريخية مع السيدة الأولى . لكن في الواقع قدرت أنها كانت على درجة عالية من اللياقة كونها لم تعطينا قطعة الذهب مباشرة ، آثرت الإبتعاد وأن يقوم أحد موظفيها بتقديم الهدية الثمينة من الذهب للمبدعات . ونصحني اللواء أن أنشر صورتي مع السيدة الأولى على صفحتي على الفيس فرقضت بحجة أنني لا أحب التباهي ، وفعلاً أنقذتني تلك الصورة شعرت تماماً أن مجرد التقاط صورة لك مع السيدة الأولى يمكن أن يفك حبل المشنقة عن عنقك . كنت بحالة مُخزية من الضياع فقد فقدت القدرة على التركيز والقراءة والكتابة ، وصرت نزقة على نحو غريب أبدأ بحضور فيلم أو مسلسل ورغم أنه يعجبني فإن نزقي كان يدفعني لإيقاف الفيلم لأستسلم لسديم من المشاعر والأفكار المتناقضة التي تهرس روحي وتسحقها . وقبل أن أستنجد برجمة النوم تلك الليلة وصلتني رسالة من اللواء : يا لها من صورة عظيمة ، كيف نسيت أنك تحتفظين بتلك الصورة العظيمة أتعرفين كل الشعب السوري يحسدك . لم أرد على رسالته سأقول له حين سيتصل في اليوم التالي كنت نائمة . رغبت أن أحضر مقصاً وأفصل صورتي عن صورة آلهتي في سوريا لكن فكرت أنني قد أحتاج صورة الإنقاذ فيما بعد إذا علقوا حبل المشنقة حول رقبتي مثلاً عندها سأبرز الصورة .
مسيح اللاذقية
جمعتني به علاقة إستثنائية ، لم يكن من شلة الأصدقاء ، أو هؤلاء الذين أسميهم شلة الأصدقاء ، كانت شلة ظريفة حقاً أرافقهم في مشاوير وسهرات وأحاديث يجمعهم ويوحدهم الإبتعاد عن الحديث في السياسة ، كانوا قد مسحوا تماماً من أذهانهم قصص معتقلي الرأي ، أو أصدقائي الذين حُكموا سنواتاً في السجون السورية بسبب رأي ، كنت أحب أن أستفزهم بالتحدث عن هؤلاء الذين أحبهم وأفخر بهم أصدقائي سجناء الرأي ، وكان يصلني الإمتعاض والإنزعاج الشديد من شلة الأصدقاء الذين غيبوا تماماً من فكرهم تلك الشريحة الشجاعة من المجتمع الذين دفعوا ثمن أفكارهم في السجون ، وكانوا ينجحون دوماً في التملص من هذا الموضوع ، وأحياناً – خاصة حين ألح أن يحكوا عن سجناء الرأي – يقولون لي مباشرة : لا نحب الخوض في هذه المواضيع ، كنت أحس بألم وقرف كونهم خونة وجبناء ويتنكرون لمن دفع سنواتاً من عمره في سبيل الحرية والكرامة ويُلغونهم تماماً من فكرهم . لكنني كنت أجد لهم الأعذار دوماً فهم يخافون ، والخوف مشروع في نظام إستبدادي يُسجن فيه الإنسان بسبب فكرة أو رأي ، أحد هؤلاء الأصدقاء يشكو من فوبيا أجهزة الأمن ويُضحكني حين يقول بأنه يتغوط في ثيابه إذا سأل عنه أحد عناصر الأمن ، كنا نلتقي في شالية إحدى الصديقات نحكي بالفساد العام وفساد المسؤولين وفساد القضاء ، لكن لم تكن حرية التعبير تتعدى الكلام ، وكانوا يخافون حين يتم إستدعائي إلى أحد فروع أجهزة الأمن ، وبعضهم لا يكلف نفسه أن يتصل بي ليدعمني وليُشعرني أنه متعاطف معي ، لم أكن أطلب سوى التعاطف ، في بلد إستبدادي كسوريا وحين يتم إستدعاؤك لأحد فروع أجهزة الأمن تتماهى مع جهاز الأمن ، تُصبحان واحداً وينفر منك الناس ويتحاشونك ، تماماً كموقف مجتمعنا العربي المُتخلف من المُغتصبة إذ تتماهى مع المجرم الذي إغتصبها وتصبح عاراً يجب التخلص منه فلا يتقدم أحد للزواج منها ، وغالباً ما يذبحها أهلها لأنها روغت شرفهم في الوحل رغم كونها ضحية ، وحده رجل غريب صار أقرب إنسان إلى روحي كان يدعمني ، ووحده لم يخذلني أبداً ، في كل موقف صعب أطلبه أجده إلى جانبي ، كان بسيطاً كادحاً رب لأسرة يلهث لتحقيق مطالبها ، وكان مؤمناً ويرسم إشارة الصليب كلما مر بجانب كنيسة ، المحبة بأعلى تجلياتها تسكن قلبه ، دعمني أكثر من أصدقاء يطرحون أنفسهم كمُخلصين للناس وداعمين لهم ، لم أجد صديقاً مؤمناً دعمني في جحيم أيامي حين تستدعينني الأجهزة الأمنية ، صديقي مسيح اللاذقية – كما أحب أن أسميه – كان يتصل بي كل صباح ليقول لي صباح الخير بصوت كله مرح وفرح يفتعلهما لأنه يعرف أنني وحيدة ومخذولة وقلقة ، وكنت أحب نصائحه رغم سذاجتها ، كأن يقول لي : إياك أن تزعلي أو تعتبي على فلان وفلانه ، لا تفكري بهؤلاء عديمي الإحساس والذين لم يدعموك ، هم ربما سعداء وأنت حزينة ، كوني فرحة لا شيئ يستحق الحزن ، ما الذي ينقصك ؟ ورغم سذاجة نصائحه فقد كنت أحب الطرية الحماسية التي يقولها ويؤمن بها وكأنه واثق أن ما أحتاجه فعلاً هو كلامه هذا ، كان يصطحبني في مشاوير كثيرة إلى المقاهي والبحر مصطحباً معه الأركيلة ، يهديني دوماً وقته لأكون سعيدة ولأتحايل على وحدتي ، سيارته مُستعملة وعتيقة وكم كان يقضي نهاراً كاملاً في المنطقة الصناعية لإصلاحها ، كنت أدفع دوماً في المقاهي لأنه كان فقيراً وبالكاد يؤمن طلبات أولاده ، رغم أنه كان يتظاهر بالإنزعاج وبأنه هو من يريد أن يدفع ، لكن كان بيننا تواطؤاً أنه يصطحبني بسيارته وأجلس على شاطىء البحر ندخن الأركيلة ونحكي أو نقصد مقاهي بحرية نشرب العصير أو البيرة وفي كل مرة أدفع ، لولاه لعشت في عزلة مُطبقة ، لأن الناس تقوقعت على نفسها وإنعزلت بسبب الظروف المعيشية بالغة القسوة ،ذات يوم طلبت منه أن يصطحبني إلى صلنفة وهو مصيف يبعد عن اللاذقية ساعة وألححت أن أدفع ثمن البنزين فقبل ، ومن حين لآخر كنت أعطي إبنه بعض المال ، لكنني لم أكن أشعر أبداً أن علاقتي به مادية أي أن أدفع مالاً مقابل خدماته وإهتمامه بي . أحبني كثيراً وباح لي بأسرار لا يمكن أن يبوح بها إنسان إلا لشخص يثق به ثقة مطلقة ، كنت ملاذ روحه وفرحه ، هو الوحيد الذي كان يزورني فأوصيه أن يشتري بيرة وموالح ونجلس بجانب بعضنا نشرب البيرة ونضحك وهو يعتقد انه يُسعدني
حين يختار لي أغاني من جهاز موبايله ، في البداية كنت أتظاهر أنني سعيدة ، ومع الوقت صرت أحب تلك الطقوس البسيطة المُبهجة التي يقوم بها ، كان عظيماً في بساطته ومحبته وخدمته للناس ، وكان يفتكرني في مناسبات خاصة أعياد المسيحيين – عيد الميلاد وعيد الفصح – ويحضر لي حلوى لذيذة تعدها زوجته وكنت أرسل لها من وقت لآخر هدايا ، كنت أقارن بينه وبين أقرب الأقرباء لي ، قرابة الدرجة الأولى ، الذين تربينا معاً وعشنا طفولتنا ومراهقتنا وسنوات شبابنا معاً ، لم يخطر ببال أي من هؤلاء الأقارب أن يدعوني لفنجان قهوة في بيته أو أن يتصل بي ليتفقدني في وحدتي ، وحين كنت ألتقيهم صدفة في الطريق كانوا يقولون لي : زورينا خلينا نشوفك . قلة ذوقهم وإحساسهم كانا يروعاني ، فأتأمل توحش البشر وإنعدام إحساس كل منهم بالآخر ، أحد الأصدقاء المؤمنين والذي كنت أختنق بأحاديثه الدينية وإيمانه المُطلق بالجنة والمسيح كان يزورني كل عدة أسابيع مرة ، أحس بالفتور والملل من أحاديثنا وأفكر أنه لا يحس بوجع روحي الذي يقرؤه ببساطة صديقي العظيم – مسيح اللاذقية – وكانت زوجه صديقي المؤمن تزور أمها العجوز كل يوم عصراً وتتصل بزوجها إذا كان يزورني كي يلتقيا في مكان ما ويذهبان معاً إلى بيتهما ، لم يخطر ببالها مرة واحدة أن تزورني . الألفة التي نشأت بيني وبين الرجل البسيط المسكون بالمحبة جعلتنا نتقارب ، كرجل وأنثى ، لم يكن الرجل الذي يمكن أن أغرم به أبداً لكنه كان الأمان الوحيد في مجتمع يتوغل في التوحش ، كان زائري الوحيد ، الذي يتصل بي مراراً كل يوم ليطمئن عني ، ولم تكن القُبل التي نتبادلها قبلات شهوة أو حب على الأقل بالنسبة لي ، كانت نوعاً من خلق شبح حب أو شعور يُشبه الحب ، لم أكن أشعر بأيه غريزة أو شهوة إتجاهه ، لكن شعور الأمان وحده كان يجعلني أقبله كأنني أقبل طفلاً أو أخاً ، ولم يخطر ببالي لحظة واحدة أن أقيم علاقتنا ، أو أدرجها تحت تصنيف معين ، في وحدة اللاذقية وتوحش الناس والذعر من أجهزة الأمن وأنا وحيدة كنت أحتاج لمسيح ، لمُخلص . وكان هو الرجل البسيط الفقير السعيد الذي أهداني روحه وحبه ووقته . وكنت أقارن بين عظمة بساطته وعجرفة المُعارض المثقف الذي صرت لا أكن له إلا الكراهية والإحتقار . رجلان تزامنا في حياتي أحدهما في اللاذقية والآخر في باريس . رجلان حين أقارن بينهما أحس كم أقرف وأحتقر بعض هؤلاء المُناضلين المعارضين ، بينما صديقي الوديع الفقير ومنبع المحبة يجعلني أبتسم بمحبة وفرح لأنني أقدر أي حب وإهتمام وهبني إياهما .
حقاً كان عظيماً في بساطته ، وميله الدائم لتفسير كل ما يحصل معه من أحداث صعبة وكارثية أحياناً تفسيراً مُتفائلاً ، حكى لي مراراً كيف كان يخرج من بيته وليس في جيبة قرشاً واحداً وعليه أن يُعيل أسرته ، وكان يعتمد على القروض من المصارف رغم فوائدها الباهظة ، وعلى الجمعيات مع زملائه في العمل حيث يدفع كل منهم مبلغاً شهرياً ويكون دوره في قبض المبلغ ليُرج بعضاً من ضيقه المادي ، كم كان رقيق القلب وإنسانياً حين حل دوره في الجمعية لكنه أعطى المال لزميلة لها تحتاج لأدوية باهظة الثمن ، يومها لمته وقلت له : أتظن نفسك المسيح أنت منذ عشرة أشهر تنتظر بفارغ الصبر دورك لقبض المال ، فلماذا تقدمه بكل بساطة لزميلتك ، أنت غبي وما أدراك أن هذه الزميلة تستغل طيبة قلبك ؟ قال لي : لم أستطع أن أرفض طلبها قد تكون كاذبة ومنافقة ، لكن يُمكن أن تكون صادقة ، أحياناً كنت أستخف بشخصيته وأعتبره ساذجاً وأقرب للبلاهة ، لا شيئ يجعله يتمرد أو يغضب أو حتى ينفجر غضباً ، أن يقضي نهاراً كاملاً في المنطقة الصناعية لإصلاح عطل في سيارته المُستعملة لا يجعله يشتم ويلعن حياة الذل والقهر ، بل كان يتصل بي من وقت لآخر ليطمئن علي ويرجوني أن أعذره لأنه لم يتمكن من شرب القهوة معي أو إصطحابي في مشوار ، وكنت أرد بغضب بأنني لم أعد قاادرة على تحمل هذه الحياة الوضيعة الحقيرة ، وأشكو له قلة إحساس الناس ببعضها وعدم تعاطفهم معي في وحدتي رغم أنني بالغت في دعمي لهم ، كان يمتص غضبي كأنني طفل صغير ويقول لي بسذاجته – التي صارت بالنسبة لي أكبر حكمة – لا تفكري بهم ، لماذا تسممين روحك بالتفكير بأشخاص خونة لا يستحقونك ، فكري بنفسك وافرحي ، إنتظرينني ما أن أنتهي من إصلاح سيارتي في المنطقة الإصطناعية حتى أمر بك ، وكنت أعامله كأنه موظف عندي ، طلباتي يجب أن تُنفذ في الحال ، أقول له : لا تتأخر أحضر معك زجاجتي بيرة من النوع الذي أحبه هل عرفته ؟ يرد : طبعاً كل ما تحبينه أفظه على شحم قلبي ، ويأتيني عصراً بعد أن يكون قد قضى ساعات في المنطقة الصناعية يأتي وأصابع يديه ملوثة بشحم السيارات كريه الرائحة والأسود ، وجهه مُغبر وملامحه تشي بتعب كبير رغم إصراره ‘لى الإبتسامة ، كان يستأذنني ليغسل يديه ، ثم يفتعل الضحك والمرح ونجلس بجانب بعضنا على الصوفا نشرب البيرة ، فأصر أن أدفع له ثمنها لأنني أعرف أي ضيق مادي يعاني ، مع تطور علاقتي به – ولم أعد أبحث لها عن إسم أو تصنيف ) ومرت أكثر من أربع سنوات وهو يعتني بي يومياً ويحاول صادقاً بكل محبته وقلبه الصافي أن يُدخل البهجة إلى قلبي ، وأنا غالباً أقابله بالنكد وقلة الإهتمام ، يختار لي أغاني من موبايله لمطربين ، فأعترض وأقول : لا أطيقهم ، يبتسم ويقول : حسناً سأسمعك موسيقى رائعة تريح الأعصاب ، فجأة أحس أنني أرغب بالبكاء على كتفه وأسند رأسي على كتفه لأشم رائحة شحم السيارة ورائحة العرق والغبار، كان يلبس طوال الشتاء كنزة وحيدة ، ويفرح حين يخبرني أنه قد توفر معه مبلغاً ليشتري بنطال أو حذاء ، وكان يفرح بالمشتريات الجديدة كطفل ، ومن وقت لآخر كنت أهديه بعض الألبسة فيتمنع ويتضرج وجهه بحمرة الخجل ، لكنني أصر أن يقبل هداياي البسيطة ، فيشكرني ، كنت أقارن بين تعامله معي وتعامل صديق مؤمن بالمسيح والله حتى نخاع عظامه ، كم كان صديقي الفقير معطاء ومسيحاً ، الآخر المثقف المؤمن كان فاتراً موهبته في إنتقاد الدين الإسلامي وبأنه دين يحض على العنف والقتل والذبح ويعتبرنا نحن المسيحيين كفاراً ، كان ينتشي بهذه الأحاديث ولا يخطر بباله أن يسألني كيف تعيشين ؟ مع من تلتقين ، ماذا فعلت في الأسابيع الثلاثة التي لم نلتق بها ؟ وحين أحس يإنكسار وأشكو له وحدتي كان يُعدد لي كم عدد النساء من جيلي يعشن وحيدات ، كان فاتراً ، لا أحس بأي دفء وتعاطف من قبله ، لا أنكر أنه كان خلوقاً وراقياً ، لكنه كان فاتراً وعقلانياً وغرامه الأحاديث الفكرية والدينية ، كان مستعداً أن يهدر عدة ساعات لتمجيد المسيح وليُظهر للأصدقاء عظمة الدين المسيحي ، صديقي الفقير الذي لطالما اتهمته بالسذاجة خاصة حين يفتعل ضحكات أمامي عساني أفرح ، فأسخر منه وأسأله : ما الذي يُضحكك ؟ لكنه لم يكن يتألم من سخريتي ، كان يحتضنني ويمسد على شعري ويقول : ماذا بك ؟ والله وضعك أفضل من وضع الكثيرين ، احمدي ربك أنك لا تحتاجين مادياً ولا ينقصك شيء ، الشعور الي نما بيننا وتبلور عبر سنوات وكنت أعتبره شعوراً سخيفاً وعادياً ، جعلتني السنوات أفكر به بعمق ومن زاوية رؤية أخرى ، ما بيننا تعاطف إنساني أصيل وعميق جداً ، ما بيننا عاش وإزدهر رغم نزقي ونوب غضبي ، ورغم أنني أكبره بعشر سنوات ، لكنني كنت أسكن روحه ، المشاوير البسيطة في سيارته يصطحبني إلى شاطىء البحر خاصة في منطقة المدينة الرياضية التي تحولت إلى خرابة من الإهمال والفساد والسرقة ، يركن السيارة ويخرج الأركيلة وقاروة غاز صغيرة ويُصر أن يختار لي صخرة مُريحة لأجلس عليها ، كان هسيس الموج يهدىء روحي المشتعلة بالغضب ومن سفاله الناس ، وكانت تصيبني حالة من الإبتهاج لإأقفز قرب الشاطىء وأطلب له أن يُصورني صوراً كثيرة ، أو يصورني أدخن الأركيلة ، كنا نتشارك الأركيلة ونضحك لا أعرف على أيه مواضيع ، كان يتباهى بصديقه الطبيب الجراح المُتخصص في عمليات قطع المعدة ويحكي لي بالتفصيل كيف تتم عملية قطع المعدة ، وكنت أضحك لسبب وحيد كونه قص علي تلك القصة مراراً ، لكنني كنت سعيدة بسعدادة البسطاء ، رجل وامرأة يجلسان عند شاطىء البحر يدخنان الأركيلة يشربان البيرة ويضحكان ، ومُسجلة السيارة العتيقة تصدح بموسيقى هادئة كأنها صدى لهسيس الموج ، كيف يُمكن للحياة أن تكون أجمل من هذه اللقطه ؟ العاطفة ، أجل العاطفة الصادقة المترسخة في قلوبنا كنت ألمسها كما أداعب زبد البحر ، كانت عاطفتنا قوية ومتينة ، وعاشت سنوات ، وكنا رجل وامرأة ، ورغم أنني لم أكن أجده جذاباً جنسياً على الإطلاق فإنني كنت أحتاج أن يحتضنني ، ولأن يُقبلني ويقول أنه يشتهيني ويشتاق إلي ، وكنت أدرك أنه لولا الظروف التي جمعتنا ما كان يمكنني على الإطلاق أن أفكر به كرجل ، لكنه الوحيد الذي بدأت أقدر مزاياه العظيمة : المحبة ، التعاطف الرقة ، إجتهاده أن يجعلني سعيدة بأدواته البسيطة ، تلبيته لرغبتي أن يحضر فوراً إلى بيتي لأنني أكاد أجن من الوحدة ومن الهاتف الأخرس ، وكان يترك كل شيئ ليلبي طلبي ، لا أعرف إن كان مُحتماً أن يتم لقاؤنا الجسدي الذي لم يخطر ببالي أبداً ، ولا أذكر التفاصيل ، كنا نستمع إلى الموسيقى ونشرب البيرة ونحكي بأمور كثيرة من بينها تفاصيل عملية قطع المعدة ، صارت نظراته تبث شوقاً مُتخمراً نحوي ، نظرات فيها رجاء وحب ، نظرات تطلب بخجل أنه يحق لها مكافأة ، أن نلتقي فوق فراشي ، أن يرى جسدي عارياً بعد أن عريت روحي أمامه منذ سنوات ، ترددت ثم استجبت ليس بدافع الشهوة أبداً بل لأته يستحق بعد إخلاصه الطويل والعظيم لي أن ألبي رغبته ، لم يكن جميلاً لكن جسده كان عضلياً وفتياً ، كان سريري بحالة فوضى كبيرة ، أزاح الأغراض جانباً وتعرى ، وصُعقت من صغر عضوه ، كان عضوه طفلياً ، زائدة لحمية رخوة أشبه بعقلة الأصبع ، ووجدتني في مأزق ، لوهلة كدت أطرده من غرفتي وتساءلت : ألا يخجل أن يتعرى أمامي أو أمام أية إمرأة وعضوه طفلي وضامر بهذه الطريقة المُهينة ، أتراه لا يشعر بالخجل والمهانة ، ولم أتمالك نفسي من القول بلطف معتقدة أنني لن أجرحه : ما هذا عضوك بالغ الصغر ، تضرج وجهه بالحمرة وقال سيكبر ، وشعرت بالمهزلة ، وبدت لي الحياة كلها مهزلة ، وتساوت الأمور بنظري سواء تراجعت أم قبلت أن أضاجع رجل يملك عضواً طفلياً ، تأمل جسدي عارياً بإعجاب وإنبهار وقال يستحيل أن يصدق عمري فأنا أملك جسد إبنه العشرين ربيعاً وضحكت وقلت له : لست مُضطراً للمجاملة ، وبللني الخجل وأنا أراه يستميد ليبث شيئاً من القوة في عضوه الرخو الضامر الأشبه بأصبع صغير ، وبدا جسده العريض العضلي منصباً بكل طاقته ليستنهض شيء من الصلابة والمتانة في ذكره المسكين ، ولم أشعر بأي شيء يخترقني سوى قرقرة فقاعات الهواء ، وتعجبت متى حلت اللحظة حيث شعرت بمنيه الدافىء يتدفق بغزارة لا تتناسب أبداً مع عضوه الضامر ، كان علي أن أفتعل إبتسامة ، وأن أسرع خارج السرير ومنيه ينساب حتى أخمص قدمي ، فرت لعلها مُعجزة ، ودعكت جسدي بالليفة والصابون ، وتجنبت أن أنظر إلى وجهي في مرآة الحمام ، لم أكن قادرة على مواجهة ملامح وجهي ، وفكرت بمئات النساء اللاتي طلبن الطلاق لأن العضو الذكري لأزواجهن طفلي ، وندمت كم أعطيت ( وزملاء أطباء لي ) تقارير طبية لشبان وشابات يرغبن بالزواج دون أن يخضعن لأي فحص طبي ، كنت أعطي التقرير للشاب أو لقريبه بمجرد أن يُبرز لي هوية العريس والزوجة ، وكنت أكتب بآلية وبدون أية مسؤولية : أنهما خاليان من الأمراض السارية والمُعدية وبكامل صحتهما العقلية والجسدية . فكرت بمعاناة زوجته ، المسكينة لكنها أنجبت منه ولدين ، أيه نكته أن يتمكن عضو ذكري لا يتجاوز طوله أربعه سنتمرات ونحيل ورخو أن يقذف كل هذا المني !!!لم يجرؤ أن يسألني إن كنت سعيدة ، ولكنني كنت أصر على إبتسامة بلهاء كي لا أجرح مشاعره ، وخطر لي أن أسأله كيف هي علاقته بزوجته ، لكنني صمت وكان لبقاً فقال سأتركك الآن فأنا أعرف أنك مولعة بمسلسل واحة الغروب . وغادر وأنا بحالة لا أعرف كيف أصفها ، هل أنظر لكل ما حصل كأمر تافه ؟ وأي ضير أن نمارس الجنس بعد سنوات من المحبة والثقة والإخلاص ، أليست هذه الممارسة أرقى وتستدعي الإحترام من ممارسة الجنس بسبب شهوة محضة ، لكن ظل لغز عضوه الضامر وطوفان منيه يحيراني ، وآمنت أن الطبيعة تنحاز دوماً للرجل . الله أيضاً .
عكس ما توقعت بأن علاقتي الجنسية معه لن تتكرر بعد الخيبة والنفور من قضيبه الطفلي، الذي إنحفر في ذاكرتي كالوشم فصرت لا أعرف كيف أطرد صورة عضوه الطفلي من خيالي وأكثر ما كان يغيظني أن هذا العضو الضامر يفرز كمية كبيرة من المني ، آمنت أنها حادثة لن تتكرر ، لكن لم يمر أسبوعان حتى عاد يحاصرني بنظرات الوله والشوق ويسألني : ألم تشتاقي لي ؟! واعتقدت أنني سأرفض وبسخرية وأردت أن أحدثه عن مهزلة عضوه الطفلي ،بل وأن أسخر منه ، إذ اعتبرت العلاقة التي حصلت بيننا إهانة لي ، لكنني صمتت وإبتلعت المزيد من الويسكي واتجهت إلى غرفة النوم ، كنت بحالة من الوحدة واليأس والخوف يدمرون روحي ويتركونها ذابلة لأيام طويلة لا أميز ليلاً من نهار ، ولا أغير ثيابي ، بل أبقى في القميص الأسود المُخرم بزهور نافرة سوداء أغسله إذا اتسخ وألبسه مرة ثانية دون كيه ، تمر أيام ولا أمشط شعري ولا أرش العطر ، ثبابي مكومة على السرير وعلى صوفا في غرفة أخرى ، الشرشف الذي يفرش سريري إنحسر كاشفاً الفرشة كلها وتجعد عند نهاية السرير كجرح ، كنت أنام كيفما اتفق بعد إبتلاع الدواء المنوم ، ولم يخطر لي أبداً أن أسوي شرشف السرير ، لم يكن هاتفي يرن ، معظم من أسميتهم أصدقاء إبتعدوا عني ، صرت أحمل وشم الأجهزة الأمنية ومنع السفر ، وكانت الأيام تسحلني سحلاً وهي تتعاقب ، لم يكن لي سواه حضن دافي ، يهتم لأمري ، لذا كنت بحاجة لمن يلمسني ، كنت بحاجة أن أداوي أصعب جوع في العالم هو –جوع الجلد – وهو تعبير طبي درسناه في كلية الطب ، ويعني أن الجلد يحتاج للمس ، للمسة حنان ورقة ، وبأن طفل صغير حين يبكي وتمسح برقة وحنان على وجهه فهو يحس بالأمان ويسعد ويسكت ، كنت أحتاج لذراعيه القويتين تحتضنانني ، ولثقل جسده يُشعرني أنني جسد امرأة قادرة وسعيدة أن تتلقى ثقل رجل تحبه وليس ثقل الفراغ ، لا يوجد ما هو أثقل من ثقل الفراغ ، صار عضوه الضامر ( عقلة الأصبع ) كما سميته تحصيل حاصل ، لا يهم إن كان ذكره ثخيناً طويلاً وهو أنانياً مؤذياً ودون عاطفة أو كان ذكره بالكاد موجود ، جوع الجلد صعب ومُهين ومؤلم جداً ، لا زلت أذكر كتاباً كنت قد قرأته كإعترافات بعض السجناء بأن أكثر ما كان يؤلمهم كونهم لم يُلمسوا ، لا يلمس جلدهم أحد ، كنت أحب كتفيه العريضين العضليين وأشعار صدره الناعمة جميلة التوزيع ، وأحب بطنه البارزة قليلاً وعضلاتها المتينة ، صرت أحب جسده بعد حفلة النفور الأولى منه ، لكن لمساته الحنونة والخشنة بشهوة أحياناً كانت تعيد الحرارة بل الوجود لجسدي كله ، لأتذكر أنني امرأة وأنني مُشتهاة ، وبأن جسدي يثيره ويعجبه ، كنت كحيوان يعيش في قفص يأكل ويشرب وينام ولا يلتقي بأحد من بني جنسه ، كان هو مسيحي رجل الحنان والرغبة والأهم الإنسانية ، كان يؤنسن لقاؤنا الجنسي كأنه يرتقي به من صفة جنس إلى صفة إنسان ، كنا نمارس جنساً إنسانياً بعيداً عن مفاهيم التابوهات الآثمة الميته ، فما بيننا جميل وحاجة إنسانية قبل أن تكون حاجة جسدية ، في الواقع كنت أحتاج لحنانه ورقته وكلامه الصادق الجميل والمُضحك أحياناً ، ما يبقى في ذاكرة جسدي وروحي بعد إنصرافه وبعد ممارسة ما أضطر لتسميته جنساً ( بسبب عضوه الذكري الطفلي ) هو الدفء ، دفء لذيذ يغمرني بالحنان ، دفء من عانى طويلاً من صقيع البرد ثم وجد نفسه مغموراً بالدفء ، كانت آثار لمساته على جلدي أحسها كإنطباعات جميلة كتلك الإنطباعات التي تتركها الأيدي على قرص العجين ، تماماً كنت امرأة من عجين بارد أحتاج من يُشكلها ، وكنت أقضي ما تبقى من يومي مبتسمة وسعيدة سعادة اللمس والمشاركة والحنان ، وكنت أستعيد إحساسي بجسدي ، بنهدي وفخذي وبطني وأردافي ، كل تفاصيلي كانت غائبة في الوحدة والإهمال ، وليكن عضوه طفلياً لا مشكلة عندي فالرجل ليس عضواً بل شهامة وإحساس وحنان ، ومع الزمن غاب تماماً ذكره عن العمل الجنسي ، كان مُضحكاً هزيلاً سخيفاً ضامراً ، كان كشاهد زور ، على لقاء رجل وامرأة تكويهما الشهوة والحنان والحب ، لكنه كان كمن ينتقم لنفسه ويُجبرنا أن نشعر بوجوده ، كان يفيض بكمية هائلة من المني مُعوضاً عن إنمساخه .
ما عداه فراغ ، فراغ نتن الرائحة ومؤلم وعديم الإحساس ، صداقات عاشت سنواتاً حاملة أحلى الذكريات ذبلت وصارت رائحتها نتنته ، بل ماتت وخانت ، وكانت هذه التغيرات تؤلمني كثيراً في البداية ، وأحاول أن أجد أعذاراً ومبررات لتغير الناس ، خاصة الأصدقاء ، وكان الجواب كامناً في الزمن ، فبعد أن خف حرق ألم الخيانة والإبتعاد عني خاصة بعد أن تطلبني الأجهزة الأمنية ، لم يعد أمامي سوى الزمن ، كنتُ أحسه كرجل أنيق رشيق يبتسم نصف إبتسامة ويجلس على كرسي هزاز يتأملني نظرة تُغيظني ، نظرة من يقول لي أنت تفكرين بطريقة خاطئة ، لا تفكرين إلا باللحظة ، فكري بالبدايات ، فالنهايات تحددها البدايات ، وكانت الليالي تمتد أمامي كالأفاعي ، أخافها وأهرب منها ، ثم كان لا بد من هرس رأس الأفعى ورؤية جسدها يتلوى مهزوماً متألماً فارزاً الحقيقة ، صداقات ، صدلقات ، أكانت صداقات حقاً ، الصديقة التي كانت تكبرني بسبعة عشرة عاماً لكنها كانت ظريفة وكريمة وكنت أزورها دوماً ونقضي ساعات نتكلم ونحتسي الويسكي ونضحك ، كانت تكتب كتابات لا لمعة فيها ، روايات أشبه بالحكايات ، لا تغوص في أعماق الشخصيات زكانت تؤطر كتاباتها بالحلال والحرام ، فتبدو كتاباتها كموعظة أدبية ، لا أعرف تماماً ما القضية التي تطرحها في كتاباتها ، فهي لا تطرح أية قضية ، تحكي قصصاً عن شخصيات في أسرتها وعن خيانات زوجية وطلاقات بطريقة ساذجة مملة ، المرأة دوماً مظلومة في كتاباتها والرجل عاهر وسافل ، لم أستطع أن أكمل لها رواية واحدة أو مجموعة قصصية واحدة لكنني كنت أملك من الخبث بأن أوحي لها أنني قرأت أعمالها وأنها أعجبتني ، كنت أحبها وأحب روحها ، كانت خفيفة الظل وراقية ، وكان ممكن أن نبقى كما نحن صديقتان تضحكان وتحتسيان الويسكي ونهدي بعضنا كتباً وهدايا أخرى إلى أن زلزلت سوريا ثورة 2011، وتفجرت الثورة في أعماق روحي وأسكرتني شعاراتها ( الموت ولا المذلة – والشعب
السوري واحد الخ ) لم يفجؤني موقفها بأنها تتبنى نظرية المؤامرة ولا تعتبر أن ما حصل ثورة ، وحين كنت أناقشها بنفاذ صبر وأسألها : ألا يوجد في مجتمعنا كل مقومات الثورة من ظلم وفقر وخوف وتسلط أجهزة أمنية الخ ، ما كانت تتركني أكمل كلامي بل تقول :في كل المجتمعات هناك فقر وظلم لكن الكلاب يريدون تدمير سورية ، هذه مؤامرة كبيرة جداً على الشعب السوري ، وكانت تنطلق من فكرة الصهيونية العالمية وتصب كل أفكارها فيها ، أحسها تفسر شروق الشمس بأن له علاقة بالصهيونية العالمية ، بقيت المحبة أصيلة بيننا ولكن حصل شرخ مؤلم في علاقتنا لم نستطع تجاوزه ، صارت تخشاني كيف أكتب مقالات جريئة أنشرها في مجلات وجرائد معادية للنظام ، وكانت تصمت ولا تدعمني بكلمة حين تعلم أنني مُنعت من السفر و[انه تم إستدعائي إلى أحد فروع أجهزة الأمن ، كم كنت أتألم من وموقفها ، لم أكن أنتظر منها سوى التعاطف أن تقول لي كلااماً مطمئناً مؤاسياً لكنها لم تتصل أبداً ( ولا مرة واحدة ) حتى إستبد بي الغضب ذات يوم واتصلت بها وقلت لها معاتبة : أظنك سمعت أنني ممنوعة من السفر وعلي مُراجعة فرع أمن الدولة ، أحسست أنها تريد إغلاق السماعة بوجهي ، لعلها خافت أن تكون التلفونات مُراقبة ، لكنها صمتت صمتاً أحسسته دهراً وقالت لي : يا غالية لماذا تكتبين كتابات من هذا النوع ؟ ماذا ستستفيدين ؟ لماذا تُعرضين نفسك للأذى والمساءله ؟ صرخت : لأنني مع الحق ، أتفهمين لأنني أمون سافلة إن لم أقف مع الحق ، حق الشعب السوري بالحرية والكرامة ، فكانت تتنهد متأففة ومتمنية لو تنهي المكالمة لتوها وتقول : ما يحصل مؤامرة على سوريا ، ما يحصل ليس ثورة ، وإبتعدنا ولم تعد تضع لي أي تعليق على كتاباتي على صفحتي على الفيس بوك ، ولولا الخجل لتمنت لو تحذفني ، واستمرت تكتب عن اللاشيئ ، لأن كل شيء صار لا شيئاً قياساً بالثورة ، بالملايين التي صدحت حناجرها مطالبة بالحرية والكرامة وعزة النفس ، وكانت بالتأكيد تسمع عن سجناء الرأي وعن السجون التي تغص بهم لأنهم طالبوا بالحرية وعن الموت تحت التعذيب وعن المفقودين ، وبالتأكيد تسمع عن مئات آلاف الشبان الذين هجوا من وطن الموت سوريا ، لكن جوابها على كل تلك الحقائق كان بأن سوريا تتعرض لمؤامرة كبيرة جداً وبأن الصهيونية العالمية هي المستفيدة الوحيدة مم يجري ، لم تكن تجرؤ أن تنتقد الأجهزة الأمنية الموغلة في ظلمها ، ولم تتوقف عن الكتابة ، كتابة أشبه بسرد وحكايات لحياة بشر مهمشين تخترع لهم ظروفاً ، وبقي الود وبقيت المحبة التي عاشت سنواتاً طويلة بيننا ، لكنها ذبلت وصارت تتحاشاني وتعتذر عن لقائي بحجج عديدة ، وإبتعدت بدوري وقرفت من موقفها ، كانت تتبنى نظرية النظام السوري تماماً بأن كل ما يحصل على أرض سوريا مؤامرة ، وكم تمنيت لو أستطيع الغوص في أعماقها لأعرف حقيقة مشاعرها ، ذات يوم اقتحمت بيتها دون إذن منها ، لأنني كنت أعرف سلفاً أنها ستجد حجة ما كي تعتذر عن إستقبالي ، تفاجأت بحضوري لكنها استقبلتني بالترحاب ذاته والمحبة الأصيلة ، كنت أعرف أنها تحبني كثيراً وكانت تقول أمام الجميع بأن لي مكانه خاصة في قلبها ، جلست وتبادلنا نظرة شوق صادقة ، قلت لها وهي تصب الويسكي في كأسين سأقرأ لك قصة ، لم تُعلق ، بدا عليها الإرتباك وأفصحت ملامح وجهها أنها تتمنى ألا تسمع ما سأقرأ ، لكن لم يعد بإمكانها التراجع ، وقرأت لها قصة اسماعيل زرطيط عمره 17 عاماً وكان طالباً في كلية الأدب الإنكليزي ويساعد والده في دكان بيع الحمص والفول وكنت من زبائنهم ، وإشتعلت شعارات الثورة في روح اسماعيل زرطيط وكتب على الفيس بوك عدة كتابات وتم إعتقاله وكالعادة لا تقول أجهزة الأمن مكان إعتقال أولادهم ، وكان اسماعيل زرطيط وحيداً لأهله ولديه أخت وحيدة أسمها هبة ، وبعد عشرة أيام تلقى الأب إتصالاً من جهة أمنية يعلمونه أن إسماعيل في دمشق ويطلبون منه أن يحضر لإستلامه ، وفرح الأب وزغردت الأم فإبنها سيعود سالماً آمناً لأسرته ، لكن الأب الذي سافر إلى دمشق تسلم جثة اسماعيل وأجبروه أن يكتب أن اسماعيل تومفي بسبب سكتة قلبية وبأنه لم يمت تحت التعذيب ، ورضي الأب لأنه كان يريد إستلام جثة إبنه الوحيد ، وكانت آثار التعذيب واضحة على جسده ، وحين زرت الأم لأعزيها كانت صور اسماعيل في كل زاوية في البيت ، يالجمال الصبا ، وكانت الأم صامته يبدو أنها نزفت كل دموعها ، وعبرت من ضفة الألم إلى ضفة أخرى هي الذهول ، أصابها داء الخرس ، وحكت لي أخته هبة بأن في خاصرة اسماعيل فجوة تتسع لبطيخة متوسطة الحجم ، نشرت القصة في كتابي ( وجوه من سوريا ) الصادر عن دار الساقي وتركت اسم اسماعيل كما هو ، كنت أقرأ وهي مقابلي ترشف الويسكي على مهل ، ثم صبت كأساً آخر ، ولاحظت أن شفتيها مزمومتان وتزدادان تقلصاً كلما أوغلت في القراءة حتى شعرت أن علاقتنا إنقلبت بسحر ساحر إلى علاقة عدوانية ، ورغبت أن أصفعها وأقول لها وأنا أصرخ حتى تتمزق حبال حنجرتي : ترحمي على الشاب على الأقل !! وعلى صوتي وقلت : ترحمي عليه ، فرشقتني بنظرة وقالت : لله أعلم مع من يتعامل وما الذي كلفوه أن يقوم به !!! عندها أصابني الجنون ولم أعتقد أن إنسانة أعرفها منذ أكثر من عشرين عاماً أخلاقية وكريمة ومُحبة للناس تفكر بتلك الطريقة ويصير الشهيد تحت التعذيب بنظرها مُجرماً ومرتبطاً بجهات متطرفة ، كنا لا نزال في عام 2011 حيث لم يبدأ التطرف ولا أسلمة الثورة ، وإنتفضت من مكاني وجمعت أوراقي وقلت لها : آسفة جئت من غير موعد لكن يستحق منك هذا الشاب العظيم اسماعيل زرطيط أن تترحمي على روحه ، ولم تطق بكلمو وسمعت صوت باب بيتها يُصفق بقوة في وجهي . لم تكن وحدها التي اتخذت هذا الومقف بل كثيرين ، حتى أن من كنت أعتبرهم أعز الأصدقاء كانوا ينصحونني أن أكف عن كتابات جريئة من هذا النوع لأنها لن تقدم ولن تؤخر ، ولأنها ستضرني وتمنعني من السفر ، وكنت أقول لهم بقلب محترق : يعني نصمت عن الظلم ؟ فيردون وهل العين تقاوم مخرزاً ، وكنت على ما يبدو أؤمن أن العين تقاوم مخرزاً .

اللواء في المخابرات الجوية أيضاً وأيضاً !!!
من المُفترض أن تنتهي علاقتي باللواء الذي فتنته كتاباتي وجعلتني أدرك أن غواية الكلمات قد تحقق لك ما تريد ، لكنني حتى بعد سفري إلى باريس وشعوري أنني نجوت من قبضة أجهزة الأمن ومنع السفر بقيت من حين لآخر أرسل للواء مقاطع فيديو ، وصار يعتب علي حين أتجاهله ولا أرسل له أي شيئ ، شيء ما يُغرينني في علاقتي باللواء اللبق السفاح المجرم الذي يقول لي ( حين تجرأت وسألته ) ما طبيعة عملك ؟ رد بجفاء : نُعاقب المُخطىء . حل صمت من رصاص بيننا ، أي أنني مخطأة حين يتم إستدعائي إلى أجهزة الأمن ومنعي من السفر ، في باريس كان يتحدث عن أي شيء ، وكنت أتحدث عن أي شيء ، حديث الخيانة ، أجل حديث الخيانة ، لم يذكر أبداً طوابير الناس السوريين بإنتظار رغيف الخبز والسكر والمازوت ، ولا رواتب الإحتقار ، ولا إنقطاع الكهرباء ، كان يذكرني كلما اتصلت به بأنه مشغول جداً وعليه أن يوقع أكواماً من البريد ، ولم أكن أجرؤ أن أسأل أي بريد توقع ؟ هل توقع أوراقاً ليتم إعتقال فلان وعلان وضربهم حتى الموت تحت التعذيب ؟ هل هم مخطئون كما تدعي ؟ وفي كل مرة أكون أتحدث إليه أحس الكلام سيتفجر من فمي : أين المحامي خليل معتوق المدافع عن حقوق المعتقلين ؟ أين الدكتور عبد العزيز الخير ؟ أين المطرانين المخطوفين ؟ أين المختفين قسرياً ، لكنه كان يقول بأن الحياة في دمشق ممتازة وأن هؤلاء التافهين الذين يشكون من الفقر منافقين ، يقول لي : كل مطاعم دمشق تغص بالناس وأعرف سيدات يشترين القميص بتسعين ألف ليرة ، كنت أتعجب من وقاحته في سحق ملايين السوريين الذين يلتقيهم كل يوم وهو في طريقه بسيارته الفارهة إلى مركز عمله كلواء في المخابرات الجوية ، لماذا أردت أن أبقي خيطاً بيني وبينه ؟ ربما لأنني أردت أن أفهم الإجرام الفظيع مُقنعاً بالأناقة المُنافقة ، أن أفهم جوهر شخصية رجل أمن سفاح يقول لي بكل سخرية ووقاحة : لماذا تنزعجين من الإنتظار ساعات في فرع أمن الدولة ، وهاهي إبنتي إنتظرت ساعات في عيادة طبيب ، فأضطر أن أصمت كي لا أقول له : يا إبن القحبة هذه الحالة مختلفة تماماً عن الحالة الأخرى . كنت أسأله بقلق : هل أستطيع العودة إلى سوريا دون أن يزعجني أحد أو أتعرض للإستدعاء من قبل أجهزة أمن الدولة أو منعي من السفر ؟ وكان يؤكد لي بأنني بحالة أمان تماماً لكن حدساً لا يخيب في روحي كان يؤكد لي أنه هو الذي سعى بالخفاء لمنعي من السفر وأمر بشحطي إلى أجهزة الأمن مُدعياً أنه سيزيل المنع عني ، هل كنت أريد أن أسبر الشر المطلق من خلاله ؟ هل كنت أريد أن أفهم بطريقة غير مباشرة كأنني ألتف حوله ما رأيه بسجن معظم أصدقائي في كلية الطب وكانوا في العشرين من عمرهم وفضى كل منهم على الأقل عشر سنوات في السجن بسبب فكرة ، وتعرضوا لأحقر وأفسى أنواع التعذيب والظلم والتجويع والموت تحت التعذيب ، كم من المرات كنت جالسة على شرفة منزلي في اللاذقية أدخن الأركيلة وأرنو إلى تلك البقعة الزرقاء من البحر بعد جريمة تبليط البحر ، وأكون أنصت لصوته ووجهي متشنج بالكراهية والإحتقار لكنني أتظاهر بالفرح والسعادة وحب الوطن ، وحين قال لي : هؤلاء السوريين المجانين الذين يرمون بأنفسهم وبأولادهم في البحر وفي قوارب تعيسة أي بلهاء ومعتوهين هم حتى يرموا أولادهم في البحر ويموتوا !!! ما كنت أستطيع أن أقول له : لأنكم دمرتم بيوتهم بسبب البراميل المتفجرة ولأنهم يخافون من الموت والإعتقال . لكن كنت ألزم الصمت ، كان علي أن أقنع نفسي أنه سيساعدني رغم حدسي الذي لم يخطىء يوماً بأنه كان يحضر لموتي ، واعتقدت أن كتابتي تحصنني فهو فعلاً مفتون بما أكتب . . علاقة مُلتبسة مجللة بالنفاق والكذب ، وأظنني من الغباء إذكنت أعتقد أنني أنا من أخطط لسبر أغوار روحه ، دون أن أنتبه أن شيطاناً مثله يُشرح روحي ويعرف تماماً كيف أفكر ، أي غباء يجعلني أتناسى أن كل مقالاتي المُعارضة بقوة والساخرة من النظام ممكن أن تكون على مكتبه ، وبأنه لأسباب غامضة ينتظر ويؤجل الموضوع ، موضوع أن يقدمني كبش فداء من دون أن يكون في الصورة . أحياناً كنت أستيقظ فجراً كالعادة لأجد رسالة منه على الواتس بأنه مشتاق جداً لي وبأنه حاول الإتصال بي لكن يبدو أنني نمت باكراً ، أن أقرأ أي كلام فيه شيئ من عاطفة الساعة الخامسة فجراً ، أن يبدأ يومي اللي أعرف سلفاً أنه كئيب وحزين وثقيل بكلمات لطيفة مشحونة بعاطفة حتى لو كانت منافقة فهذا يدفئ روحي المُتيسبسة من القهر والوحدة والحرمان ، للحظة كنت أصدق اللواء في المخابرات الجوية ، نقاء الفجر بضوئه المُزرق الشاحب وطراوة الفجر ، ودغدغة الأمل تجعلني أرغب أن أصدقه ، حتى لو كان جانباً من نفسي يقول لي بأن كلامه المعسول ليس إلا فخاً لي ، لكن لم يعد يهم الفخ ، المهم الكلمة اللطيفة التي تدغدغ المشاعر ، كنت أتذكر جدتي رحمها الله حين تقول لي : أحب الكلام اللطيف ولو نفاقاً !! فأقول لها : جدتي ما هذا الكلام يعني هل تحبين أن يكذب عليك أحد لمجرد أن كلامه جميل ؟ فتؤكد لي أن نعم . صرت أفهمك يا جدتي وأعذرك بل صرت مثلك ، لا يوجد أجمل من الكلمة اللطيفة ، كنت أشرب القهوة وأنقل نظري بين البحر الذي يبدو كشريط أزرق وبين كلمات اللواء / ماذا لو كان صادقاً ، ماذا لو أحبني حقاً ؟ ماذا لو بقي جزء من روحه إنساني وطاهر ونقي . ولم أكن بريئة بل كنت خبيثة أرسل له من وقت لآخر صوراً لي أبدو فيها جميلة جداً ، كنت أسخر منه وأحتقره لكن لغز ما يجمعني به ، كل أحاديثنا كانت أشبه بالمناورة ، تحترق معظم غابات سوريا ولا يحكي ، وحين أسأله متصنعة شخصية البلهاء : كم هو مؤلم حرائق الغالبات يقول وهو يتعمد ن يتثاءب : دوماً تحصل هذه الحرائق في هذا الطقس الجاف ، وأجبر السؤال أن يتخثر على شفتي : وأين الطائرات التي ترشق الماء كي تطفىء حرائق الغابات لكنني أصمت ، عيناي ترنوان إلى السماء فأرى براميل متفجرة هابطة على مدن وقرى سورية لتدمرها . الحصار ، الحصار هي الكلمة التي يتحصن بها ، كل الكوارث التي حلت في سوريا سببها
الحصار ، يحكي لي عن بواخر قادمة إلى سوريا محملة بالمازوت وغيرها من المواد الأساسية ، لكن ثمة ضفادع بشرية سافلة تُفجر تلك البواخر ولا تصل المعونات إلأى سوريا أصمت ، لا أملك سوى الصمت في حضرة الجلاد الأنيق السفاح ، هل يتوقع أن أصدقه حقاً حين يقول لي ضفادع تُفجر بواخر المساعدات إلى سوريا . والعقوبات الإقتصادية أيضاً هي سبب إنهيار سوريا ونزوح ثلث شعبها ، ومن تبقى في الداخل يموت من الذل والجوع والفقر والذعر ، ويعزو رئيس البلاد أو ما تبقى من سوريا الأزمة إلى تهريب الأموال ( مليارات الدولارات ) خارج سوريا إلى بنوك لبنان ، ولا تهمه الدقة في شيئ فالمبلغ إما 22 مليار دولار أو 44 مليار دولار !!! يا سلام يا سيادة الرئيس ألا يُفترض بسيادتك أن تعرف الرقم بدقة ؟؟ ومع ذلك لا يجرؤ سياسي لبناني أن يستدعي السفير السوري في لبنان ليسأله عن خطاب الرئيس . وتسارع محطات كثيرة لبنانية لفبركة برامج تستضيف فيها محللين سياسيين مرتبطين بجهات عديدة معظمها مرتبط بنظام الأسد ليؤلهوا ويبجلوا ما قاله الرئيس بأن سبب الأزمة السورية هي تهريب الأموال للخارج . سيبقى الكل تشكلت لديه قناعى=ة أنه سيبقى وعلى من تبقى من الشعب السوري في الداخل أن يعيش ، أن يستمر في الحياة ، أي أن يستمر قلبه في النبضان . كنت أـأمل حياة شلة من أصدقائي وكانوا حوالي سبعة عائلات مسيحية ، كلهن مُروعين من الخوف ، لا يجرؤن بينهم وبين أنفسهم أن يذكروا أي شيئ أو إنتقاد للنظام ، كلهم كانوا مهزومين وخاسرين وكل أسرة منهم دفعت بين عشرة آلاف دولار أو عشرة آلاف يورو لتهريب أبنهم من وطن الموت كي لا يتحول إلى الشهيد البطل ، ومعظمهم باع بيتاً في مصيف أو إستدان مئات الألوف من الليرات السورية ، أو باع مصاغ زوجته أو أثاث منزله كي يؤمن تهريب أولاده إلى بلاد النزوح ، كانوا يوهمون أنفسهم أنهم يعيشون براحة وأمان خاصة بعد أن هربوا أولادهم ، كانوا كمن أخذ لقاحاً أبدياً كي لا يتحدثوا بالسياسة ، وكنت حين أحكي بالسياسة يقابلونني بالصمت والإنزعاج كما لو أنهم يقولون لي : اتركيننا آمنين ومرتاحين ، فأقول لهم : لكن هذا أمان الدجاجات في القفص ، فيقولون نحن نقبل ، لا نريد أن نتعفن في السجون . لا أعرف إن كان يحق لي أن ألومهم ، لكن كانت سعادتهم تثير غثياني ، معظم أحاديثهم نكات ومزاح ويكثرون من شرب الكحول وأحياناً يرقصون ، وغالباً يلعنون عيشة الكلاب والذل ، فقط حين يتخدر وعيهم بالكحول كانوا يجرؤون على إمتطاء أعلى عبارة : عيشة الكلاب . ينشرون صور نشاطاتهم على الفيس ، ضاحكين ، آخذين وضعيات عديدة مرحة ، كان كل شيء زائف ومنافق ومُقرف ، ومع الوقت بدأت فجوة تتسع بيني وبينهم ، فأنا ازددت التصاقاً بالجحيم السوري ومسرح اللامعقول وأنا أتأمل طوابير الناس تنتظر الخبز والسكر والمازوت الخ ، وهم كانوا ينظرون ويصمتون أو بالكاد يتذمرون برخاوة ولطف على القهر من هذا الإنتظار المديد والهدر الوجودي بإنتظار الخبز والرز والسكر ، وقمة شجاعتهم في إنتقاد مؤسسة الكهرباء التي حولتهم من مواطنين إلى خفافيش يعيشون في الظلام . وصارت أحاديثهم عن غلاء البطاريات ومولدات الكهرباء ، والكل كان يشكو من جعير مولدات الكهرباء العملاقة التي بمساحة غرفة متوسطة مع سخام دخانها الأسود المُسرطن الذي يصدر عنها . ما كانوا يجرؤون أن يضعوا علامة إعجاب ( لايك ) على المقالات التي كنت أضعهه على صفحتي لكاتبي المفضل حازم صاغية أو الياس خوري ، أقصى حد كان يتجرأ لإثنان على وضع علامة ( لايك ) ، معظم صفحاتهم على الفيس بوك أو مواقع التواصل الإجتماعي كانت عرض صورهم في وضعيات مرحة مُضحكة ، وكانت تلك الصور تثير غثياتي إذ أرى أي ذل يرشح منها ، فبدل أن يمزقوا ثيابهم إعتراضاً على الذل والقهر كانوا يبتسمون ، وكانت كل أشكال وأنواع قوالب الحلوى على صفحاتهم ، كذلك كل أنواع التعازي ، وما بين قوالب الحلوى والتعازي كان يعيش سوريو الداخل مُروعين من الخوف والقلق والذعر . وهل أنسى قصة الموجهة في المدرسة الإبتدائية وكانت عازبة في الخامسة والأربعين من عمرها وقد توفي أخيها الوحيد حين كان عمر إبنه سنتان ، وتكفلت هي بتربيته لأن أم الطفل تزوجت ، وربته عمته وصار يناديها ماما ، وأحبته بجنون وتسجل في كلية الطب ، وفي سنته الثانية عام 2011 شارك في مظاهرات ضد النظام وتم إعتقاله ومات تحت التعذيب ، واعتبرها كل من حولها محظوظة لأنها تسلمت جثة إبن أخيها ، ولم تجرؤ أن تنبس بكلمة ، وبعد سنه أقامت إدارة المدرسة إحتفالية بمناسبة الحركة التصحيحية وكان على كل العاملين في المدرسة أن يشاركوا في الدبكة ( رقصات الولاء الإلزامية ) من المديرة إلى المُدرسات ألى الطالبات وشاركت هي العمة التي استلمت جثة إبن أخيها الذي ربته ميتاً تحت التعذيب ، شاركت في الرقص والدبكة لأن الطير يرقص مذبوحاً من الألم ، وحين سألها المقربون : كيف استطعت أن تشاركي في الرقص كأنك ترقصين على جثة إبنك ؟ أجابت : لأنني خائفة على أخيه . لديه أخين شابين أخشى إن لم أشارك في الإحتفالية أن يموتا تحت التعذيب .
لاهمة لي على فرز الرجال الذين مروا في حياتي ، أحياناً أشعر أن علي أن أصنفهم تصنيفات عديدة مثلاً أصنفهم حسب شخصية كل منهم ، أو أصنفهم حسب علاقتي بهم . كم كنت أعتقد أنهم مختلفون –وهم كذلك – لكن الزمن جعلهم ينصهرون ببعضهم ويصيرون كتلة واحدة أو رجلاً واحداً . هم الجنس الآخر . الشعور الأقوى الذي بقي في روحي تجاه رجال حياتي هو السخرية ، أسخر منهم ومن نفسي ، حين أتذكر كم ذرفت دموعاً لأن علاقة حب مع رجل أحببته بكل جموح روحي وكان يسكن في مدينة أخرى وكنا نتبادل الرسائل بإستمرار ، يا إلهي أي هوى وأيه طاقة كانت تجعلني أكتب بتلك الغزارة والحماسة والحب ! أكان حباً حقاً أم رغبة في الحب ، فأعظم تعريف للحب أؤمن به هو ما كتبه سمرست موم في كتابه عصارة الأيام ( الحب هو مستوى الهورمونات في الدم ) كنت امرأة تفور بالعواطف المُتخمرة
المتراكمة سنة تلو سنة بسبب كوني مُطلقة ، كنت في السابعة والثلاثين من عمري أحس بحاجة للإحتضان ، للإنصهار مع رجل يجمعني به الحب . وكانت هورموناتي الجنسية مرتفعة وأحس بمرارة هدر الزمن بدون حب أو علقة حب مع رجل . حين أفكر به الآن بعد سنوات طويلة من إنتهاء علاقتنا أندهش ! لماذا أحببته ؟ أين كل تلك الرسائل البديعة التي كنت أكتبها له والتي مزقتها كلها في لحظة جنون وغضب ، لا أحزن إلا على هذه الرسائل ، لأنني أؤمن أن حالة من الوله للكتابة هي التي كانت تحرضني للكتابة إليه ، الهوى الحقيقي المتفتح في روحي كان هوى الكتابة ، مشاعر تغلي في أعماقي ، بركان من الأحاسيس والرغبات والهورمونات بحاجة أن يشق الأرض ويتجسد ، وكان علي أن أجد رجلاً أصب عليه هذه المشاعر ، وكان هو رجل صياد يعرف كيف يصطاد نساء متخمات بالمشاعر ، حين أجبر ذاكرتي أن تفتكر بأيه حالة كنت وأنا أتدفق على الورق أكتب له ورقة تلو ورقة ، أشعر أن ما كان يفتنني هو اللغة وليس الرجل ، كنت بحالة حماسة وتحدي مع نفسي إلى أي حد يمكنني أن أبدع لغتي الخاصة ؟ ما سقف إبداعي ، كنت متأثرة بروايات عظيمة ولاشعوريا كنت أقلد أسلوب بعض الكتاب الكثر الذين فتنونني ، كنت أعشق الكتاب وكتاباتهم وأتماهى معهم وأنا أقرأ لهم ، أحياناً كنت أشعر وأنا أكتب له أنني أريد أن أقلد أسلوب هنري ميلر ، فكنت أفتعل عبارات وجملاً وأحاول تقيمها إن كانت جذابة وإبداعية أم لا ، كان الحبيب خلف الكلمات وخلف هوى الكتابة وخلفي . لكنني ذرفت الدموع بحرقة وألم حين أنهيت علاقتي معه ، وبعد أيام من نوبات البكاء بدأت بكتابة رواية عن علاقتنا ، وكنت أكتب كمن ينهل من بحر ، أعتقد الآن أنني شعرت أن ومن واجبي أن أبكي وأتألم عدة أيام لإنهاء علاقتنا كي أعطي زخماً لروحي لتباشر في كتابة رواية ، لطالما تساءلت هل تخدعنا ذاكرتنا ؟ كيف نعيد تفسير حوادث عشناها تفسيراً مختلفاً ، وكيف تختلف أحاسيسي لدرجة النقيض بين ما كنت أحسه وقتها وما أشعر به بعد سنوات طويلة ، هل يُعقل أن تلك القبلات الحميمة التي كنا نتبادلها بجنون وعشق تثير في نفسي السخرية وشيئ من القرف حين أتذكر تفاصيلها .
في الوقت نفسه أفكر باللواء في المخابرات الجوية والمُعارض العنيد للنظام والذي يسكن في باريس منذ نصف قرن تقريباً هل أنا منافقة أم يائسة أم مخذولة أم – على الأغلب – لامبالية حتى أعمل خلطة من اللواء والمعارض الفرنسي ، والغريب أنني أشعر أنهما لا يختلفان ، تجمعهما الفظاظة وعدم القدرة على فهم روح امرأة مبدعة ، كنت أحكي مع اللواء بلطف وأشعر بدفء مشاعره تجاهي وغرامه أن يحكي لي تفاصيل التفاصيل في طفولته ومدرسته وحياته ،كما كنت أصغي تماماً للمعارض في فرنسا الذي كان يكره النظام كرهاً رهيباً ، كليهما كانا ضروريان لي ، كما لو أنني لا يمكن أ، أفهم عالم الرجل من دون لواء في المخابرات الجوية ومعارض شرس للنظام ، أشعر لما أتكلم مع اللواء كم أنا منافقة بل مُضطرة أن أخفي أفكاري الحقيقية ، فحين يحكي لي عن أسفه وقرفه من سوريين مجانين ألقوا أنفسهم وأولادهم في البحر وبقوارب من النايلون وكيف غرق معظمهم ومات وشهد موت أطفاله ، ويسخر من غربتهم وبأنهم سيعيشون ذلاً ما بعده ذل في الغربة ، كنت أقول للواء معك حق ، وأشكر العلم على نعمة الموبايلات التي لا تعكس وجوهنا ونحن نتكلم ، كنت أدعي دوماً أن الكاميرا في موبايلي معطلة ، لأنني لا أريد لأحد أن يقرأ عيني ، لا شيء يفضح الإنسان سوى النظرة ، حين كنت أصغي بقرف لكلام اللواء عن هؤلاء المعذبين الذين تركوا وطنهم ورموا أنفسهم في البحر وأقول له – مضطرة – معك حق ، كنت أتخيل ماذا لو رأى نظرة عيني ؟ ماذا لو يعرف أنني أفكر أن أقول له : يا مجرم هؤلاء تركوا بيوتهم لأن البراميل التي ألقاها النظام على بيوتهم دمرتها وحولتها إلى أنقاض وبعضهم مات تحت انقاض بيته ، كنت أحاول بطرق عديدة أن أعرف طبيعة عمل اللواء الذي فتنته كتاباتي وصوري ، والذي كان يشتاق أن يحكي معي مطولاً وكنت أجد نفسي مضطرة للتحدث إليه كما لو أنه صمام الأمان لأذى مُحتمل ، كان يقول لي أنه يقضي ساعات يوقع البريد ولا أجرؤ أن أسأله أي بريد توقع ؟ وما نوع هذا البريد ؟ هل توقع على تعذيب فلان شرط ألا يموت تحت التعذيب ؟ أم توقع على تعذيب آخرين حتى الموت ؟ أين هو عبد العزيز الخير سيادة اللواء ؟ أين هو المحامي عن حقوق المعتقلين خليل معتوق ؟ أين المطرانين المخطوفين ؟ كانت تلك الأسئلة تنحشر في حنجرتي وأنا أقول له أنني سعيدة بالتحدث إليه وأتظاهر أنني أنتقد بعض مظاهر الفساد السخيفة في اللاذقية ، لم نكن نحكي أبداً عن عمليات الخطف التي كان يقوم بها هلال الأسد والمبالغ الخيالية التي كان يطلبها من أهالي المخطوفين ، ولم نكن نتحدث عن رواتب الإحتقار ولا عن تسلط الأجهزة الأمنية وسلطتها المطلقة ، كنا نتكلم عن وطن وهمي ، تسير فيه الحياة بشكل طبيعي .
الروائية هيفاء بيطار طبيبة وكاتبة سورية جمعت بين العلم والأدب لتغوص بجرأة في أعماق النفس الإنسانية. تتميز أعمالها بطرح قضايا الحرية والقمع والمرأة بأسلوب صادم وصادق يعكس الواقع السوري والعربي. وتُعد من الأصوات الأدبية التي حوّلت الألم الشخصي والسياسي إلى نصوص قوية تلامس القارئ بعمق، عرفت بغزارة اعمالها، وهو عضو في مجلس ادارة CESD.

