ليبيا بين الانتقال السياسي والغضب الشعبي: الأمم المتحدة تحذر من أن أزمة الكهرباء والفساد والانقسام تهدد مستقبل الدولة

Issam Khoury

ByIssam Khoury

19 أغسطس 2026

عاد الملف الليبي إلى مجلس الأمن الدولي في 18 أغسطس/آب 2026 وسط رسالة أممية واضحة: المشكلة في ليبيا لم تعد مجرد خلاف سياسي حول الانتخابات أو تقاسم السلطة، بل أصبحت أزمة حكم تؤثر مباشرة في حياة المواطنين، من الكهرباء والمياه إلى الأسعار والأمن وإدارة الثروة النفطية.

وجاءت الجلسة رقم 10209 بعد صدور تقرير جديد للأمين العام أنطونيو غوتيريش بشأن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا «UNSMIL» في 10 أغسطس، ويحمل الرقم S/2026/661. ويغطي التقرير التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية خلال الفترة الممتدة من 1 أبريل إلى 28 يوليو 2026.

بحسب مراسلنا في الأمم المتحدة عصام خوري، قدمت هانا تيتيه، الممثلة الخاصة للأمين العام ورئيسة البعثة الأممية، إحاطة أمام المجلس تناولت الجمود السياسي، الانتخابات المؤجلة، أزمة الكهرباء، إدارة المال العام، الوضع الأمني، والهجرة، مؤكدة أن ليبيا دخلت مرحلة يصبح فيها استمرار الانتقال السياسي نفسه جزءًا من المشكلة إذا لم يقُد إلى مؤسسات موحدة وشرعية ديمقراطية واضحة.

من أبرز الأسئلة التي عادت إلى الواجهة في جلسة أغسطس سؤال بسيط لكنه شديد الحساسية:

متى تنتهي المرحلة الانتقالية في ليبيا؟

فمنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 دخلت البلاد سلسلة طويلة من الحكومات المؤقتة والمجالس الانتقالية والتفاهمات السياسية والترتيبات العسكرية، دون الوصول إلى انتخابات رئاسية وتشريعية شاملة تؤسس لنظام سياسي دائم. وأكدت تيتيه أن خريطة الطريق التي تيسرها الأمم المتحدة تهدف تحديدًا إلى إنهاء الترتيبات الانتقالية المتعاقبة والوصول إلى انتخابات واستعادة وحدة مؤسسات الدولة وشرعيتها.

وترتكز الخطة الأممية على ثلاثة مسارات مترابطة:

إصلاح الإطار القانوني للانتخابات، إجراء حوار وطني منظم حول قضايا الحكم والاقتصاد والأمن والمصالحة، ثم إعادة توحيد المؤسسات التنفيذية وتهيئة البلاد لانتخابات وطنية. لكن المشكلة أن التقدم ما يزال أبطأ بكثير من طموحات الشارع الليبي.

الانتخابات تصطدم مجددًا بمجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة

أوضحت الممثلة الخاصة أن التقدم في إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وفي معالجة الإطار القانوني والدستوري للانتخابات تعرض للانسداد بسبب الخلاف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة. ودفع هذا الجمود بعثة الأمم المتحدة إلى إنشاء آلية مصغرة تعرف باسم لجنة 4+4 أو «الاجتماع المصغر»، في محاولة لجمع ممثلين من المؤسستين للتوصل إلى تفاهم بشأن بعض أكثر القضايا الانتخابية حساسية. ومنذ اجتماعها الأول في 29 أبريل، عقدت اللجنة سبعة اجتماعات قبل إحاطة مجلس الأمن، وناقشت الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. وفي 20 أغسطس، أي بعد يومين من جلسة مجلس الأمن، أعلنت البعثة أن المشاركين وقعوا بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق حول أول مرحلتين من خريطة الطريق، واتفقوا على الاجتماع مجددًا داخل ليبيا لترتيب التنفيذ والإعلان الرسمي. وهذا يمثل تقدمًا، لكنه لا يعني أن الانتخابات أصبحت وشيكة.

فالتجربة الليبية خلال السنوات الماضية أظهرت أن التوافق على الورق شيء، وتنفيذ الاتفاقات على الأرض شيء آخر.

أزمة الكهرباء تكشف أزمة الدولة

كان الملف الأكثر ارتباطًا بحياة المواطن في إحاطة أغسطس هو الكهرباء. حيث قالت تيتيه إن انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي ضربت أجزاء كبيرة من البلاد خلال يوليو، وأدت إلى اضطراب إمدادات الكهرباء والمياه لمئات آلاف الليبيين، واستمرت الأزمة خلال أغسطس. وجاء ذلك وسط موجة حر طويلة، ما زاد الضغط على المواطنين وعلى شبكة كهرباء تعاني أصلًا من نقص الاستثمار ومشكلات الصيانة والتخطيط. لكن ما جعل الأزمة سياسية وليس فنية فقط هو أن ليبيا ليست دولة فقيرة بالطاقة.

وصفت تيتيه الوضع بأنه «مفارقة لافتة»: ليبيا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في القارة الإفريقية، ومع ذلك تعاني محطات الكهرباء من نقص الوقود والغاز. وبحسب بيانات المؤسسة الوطنية للنفط التي أوردتها الإحاطة، تنفق ليبيا قرابة مليار دولار شهريًا على واردات الوقود، لكن ذلك لم يمنع استمرار النقص وتعطل الشبكات.

أين تذهب أموال النفط؟

هذه هي النقطة التي نقلت النقاش من أزمة الكهرباء إلى أزمة الحوكمة. قالت الممثلة الأممية إن هناك أدلة على تحويل كميات كبيرة من الوقود المدعوم داخل قطاعات الكهرباء والأمن، مشيرة إلى أن فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة سبق أن تناول القضية أيضًا. ووصفَت تحويل الوقود المدعوم بأنه «إساءة استخدام غير مقبولة للموارد العامة»، وطالبت بالتحقيق مع المسؤولين ومحاسبتهم. وتكشف هذه المسألة معضلة أساسية في ليبيا: البلاد ليست فقيرة بالموارد، لكنها تعاني ضعفًا في إدارة الموارد. والفرق كبير بين الأمرين. فالدولة يمكن أن تنتج كميات كبيرة من النفط والغاز، لكن إذا ظلت المؤسسات منقسمة، والإنفاق العام بلا رقابة كافية، والوقود المدعوم عرضة للتهريب، فإن المواطن لن يشعر بوجود تلك الثروة. وهكذا يصبح النفط، الذي يفترض أن يمول الخدمات والتنمية، جزءًا من المشكلة بدل أن يكون الحل.لم تبق أزمة الكهرباء مجرد مادة للنقاش السياسي.

فبحسب الإحاطة الأممية، شهد يوليو احتجاجات متفرقة على انقطاع الكهرباء، قبل أن تتحول بين 26 و29 يوليو إلى حملة عصيان مدني أكثر تنظيمًا في غرب ليبيا. وشملت التحركات:

إغلاق طرق، إضرابات، وتعطيلًا مؤقتًا لعدد من منشآت الدولة والطاقة. كما تضمنت الاحتجاجات دعوات إلى تغيير الحكومة.وهدأت الحركة بعد أن أعلن الناشطون في 2 أغسطس إعادة فتح المؤسسات الحكومية.

تكمن أهمية هذه الاحتجاجات في أنها لا تنطلق أساسًا من خلاف أيديولوجي أو عسكري. إنها احتجاجات على الخدمات والحكم والاقتصاد. وهذا قد يكون أكثر خطورة على المؤسسات السياسية؛ لأن المواطن لا يحتاج إلى فهم تفاصيل الصراع بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة حتى يشعر بأن الكهرباء مقطوعة أو أن تكلفة الحياة ترتفع.

ليبيا الغنية بالنفط تواجه أزمة ثقة

الرسالة الأعمق في إحاطة تيتيه كانت أن أزمة الكهرباء كشفت «إخفاقات في الحوكمة». وحددت أربعة عوامل رئيسية:

الانقسام المؤسسي، تحويل الموارد العامة، نقص الاستثمار، وغياب التنسيق في صنع القرار.

وهذا التشخيص مهم لأنه يغير طبيعة النقاش. المشكلة لم تعد فقط وجود حكومتين أو مؤسسات متنافسة. بل أن هذا الانقسام ينتج نتائج ملموسة: الكهرباء تتعطل. المياه تنقطع. المال العام يهدر. الاستثمارات تتأخر. والثقة في مؤسسات الدولة تتراجع. ولهذا قالت البعثة إن العملية السياسية يجب ألا تقتصر على «رأب الصدع السياسي»، بل يجب أن تعيد قدرة الدولة على توفير احتياجات مواطنيها وإدارة مواردها ضمن مؤسسات موحدة.

تكاليف المعيشة تزيد الضغط

إلى جانب انقطاع الكهرباء والمياه، أشارت الأمم المتحدة إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة أصبح عاملًا إضافيًا في تغذية الاستياء الشعبي وتقويض الثقة في مؤسسات الدولة. وهذا البعد الاقتصادي أساسي. فالليبي الذي يرى بلاده تنتج النفط ويتابع في الوقت نفسه ارتفاع الأسعار وصعوبة الحصول على خدمات أساسية قد يصل إلى استنتاج بأن المشكلة ليست في الموارد بل في طريقة توزيعها وإدارتها. وفي دول ريعية مثل ليبيا تصبح هذه المسألة حساسة جدًا؛ لأن شرعية الدولة ترتبط جزئيًا بقدرتها على تحويل الإيرادات النفطية إلى خدمات ورواتب وبنية تحتية واستقرار اقتصادي. وعندما تفشل في ذلك، يتحول النقاش الاقتصادي سريعًا إلى سؤال سياسي:

دعت الأمم المتحدة جميع المؤسسات والقوى السياسية إلى دعم محافظ مصرف ليبيا المركزي وتمكين المؤسسة من أداء وظائفها بصورة مستقلة. وأشارت تيتيه إلى أن الصعوبات التي رافقت تعيين المحافظ الحالي في 2024 تظهر مدى حساسية المؤسسات الاقتصادية في الصراع السياسي. كما طالبت بجهود أكثر جدية لضبط الإنفاق العام. وهذه النقطة مهمة لأن ليبيا تعاني مشكلة مؤسساتية مزدوجة: فمن جهة تحتاج إلى إنفاق كبير لإعادة بناء البنية التحتية والخدمات. ومن جهة أخرى فإن الإنفاق غير المنضبط في دولة ذات مؤسسات متنافسة يمكن أن يصبح قناة إضافية للهدر والمحسوبية والفساد. لذلك يصبح إصلاح المال العام جزءًا من العملية السياسية، وليس ملفًا تقنيًا منفصلًا عنها.

الأمن لم يستقر بعد

رغم أن النقاش ركز كثيرًا على السياسة والاقتصاد، بقي الوضع الأمني مصدر قلق، فالأمم المتحدة أشارت إلى اشتباكات وضربات بالطائرات المسيّرة خلال الفترة الأخيرة، من بينها أحداث أدت إلى اندلاع حريق في مصفاة نفط رئيسية. وتظهر هذه الأحداث أن الاقتصاد الليبي يبقى معرضًا مباشرة للصراع العسكري. فالمصفاة ليست فقط منشأة صناعية. هي جزء من بنية الدولة الاقتصادية، واستهدافها يعني خسارة إنتاج وإيرادات ووقود، وقد يؤدي إلى زيادة الضغط على الكهرباء والأسعار والخدمات. وبالتالي فإن أي مواجهة عسكرية لا تبقى محصورة في الجبهة، بل تنتقل بسرعة إلى الحياة الاقتصادية للمواطنين.

قالت تيتيه إن حوارًا بين الحكومة وجهاز الردع لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب أدى إلى التوصل إلى اتفاق بشأن ترتيبات أمنية في العاصمة طرابلس. ويمثل ذلك تطورًا إيجابيًا من حيث خفض خطر المواجهة المباشرة. لكن المشكلة الليبية أعمق من اتفاقات مؤقتة بين تشكيلات مسلحة. فالهدف الذي تدفع نحوه الأمم المتحدة هو بناء مؤسسات أمنية موحدة تعمل ضمن هيكل دولة واحد. وما دامت مجموعات مسلحة مختلفة تحتفظ بقدرات مستقلة ونفوذ سياسي واقتصادي، يبقى خطر العودة إلى الاشتباكات قائمًا.

الهجرة واللاجئون يدخلون معادلة الأمن الداخلي

تناولت جلسة أغسطس أيضًا ملف المهاجرين واللاجئين. وأشارت البعثة إلى أن التهريب وخطاب الكراهية والمعلومات المضللة والاستهداف السياسي للمهاجرين واللاجئين، وحتى موظفي الأمم المتحدة، تزيد من هشاشة الوضع. وليبيا تشكل منذ سنوات أحد أبرز ممرات الهجرة من إفريقيا إلى أوروبا عبر البحر المتوسط. لكن المشكلة ليست خارجية فقط. وجود مئات آلاف المهاجرين داخل دولة منقسمة أمنيًا ومؤسساتيًا يخلق تحديات تتعلق بالاحتجاز والاتجار بالبشر والعمل غير الرسمي وحقوق الإنسان. لذلك يصبح ملف الهجرة جزءًا من قدرة الدولة نفسها على فرض القانون.

المناخ يدخل مجلس الأمن من بوابة ليبيا

كان من اللافت أيضًا مشاركة الناشطة المناخية والمتخصصة في أهداف التنمية المستدامة نيسا بيك في جلسة مجلس الأمن. وجاء ذلك في ظل موجة حر شديدة ونقص المياه والضغط على شبكات الكهرباء. وأشارت المناقشة إلى أن تداخل الحرارة الشديدة وشح المياه والتدهور البيئي مع الانقسام السياسي والأمن المسلح وضعف المؤسسات يحول التغير المناخي إلى قضية تتعلق بالسلام والأمن، وليس فقط بالبيئة.

في دولة مثل ليبيا، يمكن للحرارة المرتفعة أن تزيد الطلب على الكهرباء في اللحظة نفسها التي تعاني فيها الشبكة من نقص الوقود. ويمكن لشح المياه أن يزيد الضغط على المدن. ومع ضعف الإدارة تصبح الصدمة المناخية عاملًا مضاعفًا للأزمات السياسية والاجتماعية.

الحوار المهيكل: محاولة لصياغة دولة وليس مجرد انتخابات

إحدى النقاط التي شددت عليها تيتيه هي أن العملية السياسية الأممية لا تتعلق فقط بتحديد موعد الانتخابات. ففي 6 يونيو انتهى مسار الحوار المهيكل الذي استمر ستة أشهر، وخرج بتوصيات تتعلق بالحكم والاقتصاد والأمن والمصالحة وحقوق الإنسان. والهدف من ذلك هو معالجة مشكلة ظهرت مرارًا في التجربة الليبية:

يمكن إجراء انتخابات، لكن إذا بقيت المؤسسات منقسمة والسلاح خارج إطار الدولة والنظام المالي ضعيفًا، فإن الانتخابات وحدها قد لا تحل الأزمة. ولهذا تحاول البعثة الجمع بين مسارين:

الشرعية الانتخابية وبناء المؤسسات.

لماذا طال الانتقال السياسي كل هذه السنوات؟

فعليا هناك انقسام بين الشرق والغرب. وهناك مصالح سياسية واقتصادية لقوى استفادت من الوضع الانتقالي. هناك مجموعات مسلحة. ايضا هناك تدخلات خارجية. وهناك خلاف على قواعد الانتخابات.وهناك صراع على إدارة الثروة النفطية. كل هذه العوامل تجعل الانتقال السياسي نفسه نظامًا قائمًا بذاته.

وهنا تكمن المفارقة:

المؤسسات التي يفترض أن تدير المرحلة المؤقتة أصبحت جزءًا من البنية التي تؤخر الوصول إلى المرحلة الدائمة.

ولذلك أصبح مطلب «إنهاء المراحل الانتقالية» في الخطاب الأممي أكثر وضوحًا.

ليبيا تنتقد التدخل الخارجي

في المقابل، لم تكن المداخلة الليبية أمام المجلس متطابقة بالكامل مع رؤية البعثة الدولية. فالمندوب الليبي انتقد التدخل الخارجي في العملية السياسية خلال السنوات الماضية، وقال إن مبدأ الملكية الليبية للعملية السياسية يجب ألا يبقى «مبدأ معلنًا» فقط، بل يتحول إلى عملية حقيقية تقودها ليبيا نفسها. وهذا الاعتراض يعكس خلافًا أوسع ظل حاضرًا منذ سنوات: هل الأمم المتحدة تساعد الليبيين على التوصل إلى تسوية؟ أم أن كثرة المبادرات الدولية نفسها أصبحت أحيانًا جزءًا من تعقيد المشهد؟

فعليا ليبيا تحتاج دعمًا دوليًا بسبب الانقسام والتدخلات الإقليمية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى شرعية داخلية لأي اتفاق سياسي حتى يكون قابلًا للاستمرار.

حذرت تيتيه من إنشاء مبادرات أو مسارات سياسية موازية لخريطة الطريق، معتبرة أنها قد تؤدي إلى إضاعة الوقت والبحث عن منابر بديلة بدل تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

هذه العبارة مهمة في الحالة الليبية. فمنذ 2011 شهدت البلاد عددًا كبيرًا من المؤتمرات والمبادرات والمفاوضات المحلية والدولية. وفي كل مرة يتعطل مسار، يظهر مسار جديد. والنتيجة أن الأطراف يمكن أن تستخدم تعدد المبادرات لتجنب تقديم تنازلات حقيقية. لذلك تحاول الأمم المتحدة اليوم منع تكرار دورة:

اتفاق → اعتراض → مسار بديل → حكومة مؤقتة جديدة → مرحلة انتقالية جديدة.

هل انتخابات ليبيا قريبة؟

التطورات التي أعقبت جلسة مجلس الأمن قدمت مؤشرًا إيجابيًا جزئيًا. ففي 20 أغسطس أعلنت البعثة أن لجنة 4+4 أنهت مناقشاتها بشأن تشكيل مجلس المفوضية وتعديل الإطار الانتخابي، ووقعت بالأحرف الأولى على مشروع اتفاق نهائي. لكن هذه ليست نهاية الطريق. فالخطوات المتبقية تشمل الاتفاق على آليات التنفيذ، والحصول على دعم المؤسسات السياسية، ثم توحيد البيئة التنفيذية التي ستشرف على الانتخابات. ولهذا قالت تيتيه بصراحة إن خريطة الطريق قد تستغرق وقتًا أطول مما كان متوقعًا في البداية. وهذه ربما واحدة من أكثر الجمل واقعية في إحاطة أغسطس. فالأمم المتحدة لم تعد تعد الليبيين بموعد سريع، بل تحاول منع انهيار المسار نفسه.

الغضب الشعبي قد يكون أهم من الصراع السياسي

أبرز ما يميز تقرير أغسطس هو أن الخطر على الاستقرار لم يعد يأتي فقط من السياسيين والجماعات المسلحة. إنه يأتي أيضًا من المواطنين الذين يفقدون الثقة في الدولة. الليبي الذي يعيش في دولة نفطية غنية لكنه لا يحصل على كهرباء أو ماء مستقر، ويرى ارتفاع الأسعار واستمرار المرحلة الانتقالية، قد لا يهتم كثيرًا باسم المؤسسة المسؤولة عن الأزمة. بالنسبة إليه، الدولة كلها تبدو فاشلة. وهذا النوع من الغضب يمكن أن يصبح أكثر تأثيرًا من الصراع بين النخب؛ لأنه يضرب شرعية جميع المؤسسات في الوقت نفسه.

ماذا يريد مجلس الأمن؟

خلال المناقشة، دعا أعضاء مجلس الأمن الأطراف الليبية إلى استغلال الفرصة الحالية لتحقيق تقدم سياسي، وبناء توافق من خلال عملية شاملة يقودها الليبيون، والالتزام بوقف إطلاق النار وحماية المدنيين. كما طالبوا برقابة أقوى على الإيرادات الوطنية والموارد العامة. وهذا تحول مهم. ففي سنوات سابقة كان مجلس الأمن يركز بدرجة كبيرة على وقف القتال. أما اليوم، فالنقاش يمتد إلى كيفية إدارة المال والنفط والكهرباء والمؤسسات. وهذا يعكس فهمًا بأن السلام في ليبيا لن يتحقق فقط بإسكات البنادق.

يمكن اختصار الأزمة الليبية التي كشفتها جلسة أغسطس في مفارقة واضحة: دولة تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في إفريقيا، لكنها تواجه انقطاعات كهرباء ومياه وغضبًا شعبيًا بسبب نقص الوقود وسوء الإدارة.

هل تستطيع الانتخابات إنهاء نظام انتقالي أصبح قائمًا منذ سنوات، وتنتج دولة قادرة على إدارة النفط والمال والأمن والخدمات ضمن مؤسسات موحدة؟

فالاحتجاجات على الكهرباء أظهرت أن الوقت السياسي ليس مفتوحًا بلا حدود.

قد تقبل النخب سنوات أخرى من التفاوض، لكن المواطن الذي يقضي أيام الصيف دون كهرباء أو ماء قد لا يفعل.

وهنا تصبح أزمة ليبيا في 2026 أكثر وضوحًا:

الخطر ليس فقط في عودة الحرب، بل في أن يفقد الليبيون الثقة بأن المؤسسات السياسية القائمة قادرة أصلًا على إنتاج دولة.

ولهذا فإن نجاح خريطة الطريق الأممية لن يقاس بعدد الاجتماعات واللجان أو حتى بتاريخ الانتخابات وحده.

سيُقاس بقدرتها على إنهاء دوامة الانتقال السياسي، وتوحيد المؤسسات، وإعادة المال العام إلى وظيفة واحدة أساسية وهي خدمة. المواطن الليبي واشعاره بروح المواطنة الحقيقية.

VOS – Voice of Syria | متابعة قضايا الأمم المتحدة والشرق الأوسط وشمال إفريقيا

Issam Khoury

ByIssam Khoury

عصام خوري صحفيّ وروائيّ مقيمٌ بنيويورك،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *