بقلم: عصام خوري
Dec 01, 2025
خلال أي انتقال سياسي، تمرّ التحولات الكبرى تحت غطاء “الضرورة والاستعجال” ويطلق البعض عليها مصطلح “ظروف المرحلة”.
هذا ما حدث تماماً في سوريا فبعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، تشكلت حكومة انتقالية تم تعينها من فصائل ثورية ترأسها أحمد الشرع، كما تم تنظيم إعلان دستوري يتناسب وهوية تلك الفصائل ذات الميول الإسلامية الممتدة من تيارات معتدلة وصولا للجهادية السلفية المتشددة.
في خضم انشغال الإعلام الدولي والمحلي بالصراعات الطائفية، وحفلات جمع التبرعات، والقصف الإسرائيلي المستمر على مقرات الجيش شبه الفارغة، صدرت أربعة مراسيم رئاسية غيّرت بنية الدولة الاقتصادية السورية بالكامل دون أن ينتبه الرأي العام إلى حجم المخاطر الكامنة فيها.
هذه المراسيم ( “244”[1]، “264”[2]، “265”[3]، “266”[4] لعام 2025) نقلت السيطرة الكاملة للجمارك، والمعابر الحدودية، والتجارة الخارجية، والاستيراد والتصدير من الوزارات الرسمية إلى هيئة واحدة ترتبط مباشرة بالرئاسة، ويرأسها ” قتيبة أحمد بدوي”، ولمن لا يعرف بدوي هو مدير مديرية الجمارك العامة منذ تاريخ 18 كانون الأول/ ديسمبر 2024، ثم رفع بتاريخ 31 كانون الأول/ ديسمبر 2024 إلى منصب مدير الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، وكان في السابق (بين أعوام 2017 -2024) أميراً لقاطع إدلب في “هيئة تحرير الشام”، حيث شغل مناصب عدة منها مدير معبر باب الهوى، ومسؤولاً عن إدارة المعابر في الهيئة[5].
ما نلاحظه في مهام الهيئة العامة للمنافذ والجمارك ضمن الفقرة الخامسة من المرسوم (244)، أنها مسؤولة عن:
- إدارة وتنظيم العمل في جميع المنافذ البرية والبحرية في الجمهورية العربية السورية.
- وضع السياسات العامة التي تنسق بين العمل الجمركي والموانئ والمناطق الحرة والنقل البحري.
- الإشراف على تحصيل الرسوم والعوائد وفق القوانين والأنظمة النافذة.
- إعداد مشاريع القوانين والمراسيم والأنظمة الخاصة بالمنافذ، والمرافئ، والمناطق الحرة، والجمارك.
- تطوير القدرات البشرية، والإدارية للعاملين، وتأهيلهم فنياً، ومهنياً.
- اعتماد الأنظمة الرقمية الحديثة وتطوير الربط الإلكتروني الموحد بين المنافذ، والمرافئ، والمناطق الحرة.
- التنسيق مع الوزارات، والهيئات، والمؤسسات، والجهات الأمنية، والفنية ذات الصلة لضمان أمن المنافذ والمرافئ وسلامة الإجراءات.
- تمثيل الجمهورية العربية السورية في المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية ذات الصلة.
اللافت للنظر أن المادة السادسة من المرسوم (244) تسمي رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك وزيرا، وتربطه مباشرة برئاسة الجمهورية، مما يلغ دور عدد من الوزارات مثل المالية، الاقتصاد، الزراعة، النقل، لأن هذه الهيئة متحكمة بالمنافذ الحدودية البحرية والبرية والجوية، والجمارك، ولديها التحكم الشامل على الاستيراد والتصدير. وهذه الهيئة لا تخضع لمساءلة البرلمان، ولا لرقابة القضاء الإداري، ولا لمجلس المحاسبة، ما يجعلها مؤسسة لا تنسجم مع مبادئ الحكم الرشيدة.
وهذا بالحقيقة خرق للأعراف الوزارية السائدة في سوريا، كما هو خرق للأعراف الدولية في نظم الحكومات، فمثلا في الدول الديموقراطية مثل اليابان وأميركا وأوروبا، (الجمارك تتبع وزارة المالية، وإدارات الحدود تتبع الأمن الداخلي، أما التجارة الخارجية تتبع وزارة الاقتصاد، في حين المرافئ تتبع وزارة النقل، والزراعة تملك وزارتها المستقلة)
حتى في الحكومات السلطوية روسيا، الصين، وإيران، يتم توزيع هذه الصلاحيات على أربع وزارات، أو أجهزة مختلفة، كما لا توجد سلطة فوق وزارية تتحكم بكل القرار الاقتصادي.

التجارب الوحيدة المشابهة للحالة السورية، نراها في دول فاشلة إداريا، وفيها تخبط واضح من حيث سيطرة المليشيات العسكرية على مفاصل الدولة، وهنا نقصد اليمن بعد العام 2015، وليبيا بعد العام 2011، والعراق ما بين 2005–2010. وهذا بالحقيقة أمر خطير، لأنه يحول الهيئة العامة للمنافذ والجمارك إ إلى نموذج Super Agency، أي هيئة فوق وزارية تملك سلطات تنفيذية وتشريعية ومالية دون رقابة.
وقد تم اثبات فشل هذا النموذج في كوريا الشمالية عندما سيطر الجيش على الاقتصاد مما تسبب بمجاعة. أيضا لم ينجح هذا النموذج في كمبوديا بعهد بول بوت، عندما منح سلطة فوق وزارية للتسويق الزراعي مما أدى لانهيار الإنتاج الزراعي في البلاد. وفي اليمن خلال سيطرة الحوثي على الجمارك والمعابر خلق اقتصاد موازٍ خارج الدولة، وهو ذات الامر الذي انتهجه حزب الله في لبنان، مما حول الحزب الى دولة داخل دولة لبنان الفاشلة.
وكون هذه الهيئة مرتبطة بالقصر الجمهوري كما تنص الفقرة السادسة من المرسوم (244)[6] فهذا يعطي مؤشرا على رغبة القصر الجمهوري بتقلص صلاحيات وزارات الحكومة السورية، لغرض تعزيز هيمنته على مفاصل الدولة، مما يعطي مؤشرا عاما على مركزية القرار، وهذا بالتأكيد اضعاف لروح الحياة المؤسساتية. وسيتسبب بخلق طبقة أوليغارشية جديدة مرتبطة بالقصر الجمهوري ومن أبرز شخوصها ” إبراهيم بن مسعود الملقب “أبو مريم الإسترالي”[7]، قتيبة أحمد بدوي، خالد محمد البراد، أحمد علي مصطفى”[8]، بحيث يشرف الأمين العام لرئاسة الجمهورية ماهر الشرع على عموم اعمال هذه الشخصيات.
وهذا بحق يدلل أن سلطة القصر الجمهوري تقلص صلاحيات الحكومة السورية، وتهمش الوزراء لغرض تعزيز هيمنتها على مفاصل الدولة، مما يعطي مؤشرا عاما على مركزية القرار، وعدم ثقة أحمد الشرع بوزرائه وحكومته، ورغبته أن يشرف اخاه ماهر الشرع بشكل مطلق على العمل المؤسساتي، على ان يتحول الوزراء لمجرد واجهة ترويج لحكومته الضعيفة الحيلة.
فالهيئة العامة للمنافذ والجمارك هيمنت على دور وزارة المالية في الجمارك، كما هيمنت على دور وزارة الاقتصاد في مجال التجارة الخارجية، وسيطرة على وزارة النقل فيما يعني بقطاع المرافئ، أيضا سيطرت على دور وزارة الزراعة فيما يعني بالاستيراد الزراعي. وهذا يعني:
- احتكاراً للتجارة الخارجية من قبل القصر الجمهوري.
- الغاء استقلالية الوزرات.
- تحويل اقتصاد الدولة إلى اقتصاد محسوبيات خاضع للواء وليس الكفاءة.
- تعزيز الانقسام الاجتماعي، عبر خلق طبقة اثرياء جدد موالين للقصر.
عموم هذه المنعكسات ستقوض الاستثمار الدولي، فأي شركة أجنبية ستجد نفسها أمام شبكة غير خاضعة للرقابة الدستورية، ومن يقبل العمل في سوريا سيكون شريكا للقصر الجمهوري، مما يعني مشاركة بالأرباح لتلك الشركة، مع احتمال للهيمنة على استثماراتها في حال تضارب المصالح، وهذا بالحقيقة سيعطل مشروع إعادة الاعمار، ويضعف الثقة بالدولة السورية، ويؤدي لتكرار السيناريو الليبي والعراقي الفاشل.
المتعاطفين مع الدولة الجديدة، يرون في هذا القرار، وغيره من القرارات أنها أتت بسبب عدم خبرة الحكومة السورية، ومن واجب السوريين إعطائها فترة كي تصلح نفسها، ولكن منتقديها يرون أنها حكومة مشابهة تماما لحكومة الإنقاذ التي حكمت إدلب لسبع سنوات، فقد اعتادت المركزية في الحكم، وعدم المشاركة السياسية، ويستندون في نقدهم هذا لعدم صدور قانون للأحزاب، وعدم حدوث انتخابات، مع حصر التعينات في المناصب الحساسة لكوادرها، بالإضافة للخطاب المتشنج من قبلها ضد الأقليات الدينية، الذي انعكس بحدوث ثلاثة مجازر (مجزرة الساحل، صحنايا، السويداء).
من هنا على حكومة أحمد الشرع مراجعة قرارتها الإدارية، كي تعطي مزيدا من الصلاحيات للوزراء خارج هيئة تحرير الشام، كما عليها تحقيق مزيد من المشاركة السياسية تطبيقا للقرار الاممي 2799 (2025)[9] الذي ينص صراحة (على تعليق تقييم وضع الحكومة الانتقالية السورية لمدة 6 أشهر، وتقييم مدى التزامها بالعملية السياسية وفق القرار الأممي 2254 الصادر عام 2015) أي على حكومة دمشق اجراء مفاوضات مع (المجلس الوطني الكردي، مجلس سوريا الديموقراطي، ممثلين عن مرجعة الشيخ الهجري، مستقلون، ممثلون دوليون)، كما عليها الالتزام بتشكيل هيئة حكم انتقالية شاملة (كما في نص اتفاق جنيف (1)[10] والقرار2254[11]، بالإضافة لإشراك مكونات المجتمع “دروز، علويون، مسيحيون، عشائر، نساء، منظمات مدنية” في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، وخصوصا في وضع دستور عصري للبلاد، يحقق حلم السوريين بدولة عدالة وحرية وكرامة.
[1] المرسوم رقم (٢٤٤) لعام ٢٠٢٥ القاضي بإحداث هيئة عامة تسمى “الهيئة العامة للمنافذ والجمارك”، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وترتبط مباشرةً برئاسة الجمهورية، ويكون مقرها مدينة دمشق
[2] المرسوم رقم (264) لعام 2025، القاضي بتعيين قتيبة أحمد بدوي رئيساً للهيئة العامة للمنافذ والجمارك، بمرتبة وزير.
[3] المرسوم (265) لعام 2025، القاضي بتعيين خالد محمد البراد معاوناً لرئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك لشؤون الجمارك.
[4] المرسوم (266) لعام 2025، القاضي بتعيين أحمد علي مصطفى معاوناً لرئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك للشؤون البحرية.
[5] موقع الذاكرة السورية، مركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
https://syrianmemory.org/archive/figures/65887f7b46b77c0001283582
[6] الرئيس الشرع يصدر مرسوماً بإحداث “الهيئة العامة للمنافذ والجمارك”\ وكالة سانا للانباء الرسمية\ Nov 11, 2025
https://sana.sy/presidency/2335507/?fbclid=IwY2xjawOSpd9leHRuA2FlbQIxMABicmlkETFDTUE1WTcyU3NIdFgzQU9uc3J0YwZhcHBfaWQQMjIyMDM5MTc4ODIwMDg5MgABHhGBaLoxdwkN-ZykjNSuxDOT9QXTz_td76q_7uqiZR4gPF7FWAYNRJMfXkgd_aem_IDX2xPn3UfTJ8Oh9sUUErw
[7] الرجل الغامض في دمشق: من هو “أبو مريم الأوسترالي” الذي يقود سياسة الغفران؟\ جريدة النهار\ Jul 14, 2025
https://www.annahar.com/arab-world/arabian-levant/230750/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AC%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D9%85%D8%B6-%D9%81%D9%8A-%D8%AF%D9%85%D8%B4%D9%82-%D9%85%D9%86-%D9%87%D9%88-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A-%D9%8A%D9%82%D9%88%D8%AF-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86
[8] الرئيس الشرع يصدر 3 مراسيم بتعيين رئيس للهيئة العامة للمنافذ والجمارك ومعاونين له\ وكالة سانا الرسمية\ Nov 23, 2025
https://sana.sy/presidency/2335513/
[9] United Nations Security, S/RES/2799(2025)
https://docs.un.org/en/S/RES/2799%282025%29
[10] Final Communiqué of the Action Group for Syria (Geneva Communiqué), 06/30/2012
[11] UNSC Resolution 2254 (2015)
https://digitallibrary.un.org/record/814715?ln=en&utm_source=chatgpt.com&v=pdf

