بدأت السلطات السورية، بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، عملية جديدة لتدمير ذخائر ومواد ومواقع مرتبطة بالبرنامج الكيميائي الذي ورثته عن نظام بشار الأسد، في خطوة تحمل أهمية تتجاوز عملية التخلص من أسلحة قديمة؛ إذ تعيد فتح واحد من أكثر ملفات الحرب السورية تعقيداً، بعد أكثر من عقد على إعلان دمشق أنها تخلت عن ترسانتها الكيميائية. وبحسب ما أعلن في 3 سبتمبر/أيلول 2026، بدأت عمليات التدمير الموثقة دولياً لمواد وذخائر عُثر عليها خلال الأشهر الماضية، وهي أول عمليات من هذا النوع تجري داخل سوريا منذ نحو عقد. وذكرت تقارير أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة تحققتا من تدمير 42 قنبلة جوية، إضافة إلى منشآت مرتبطة بإنتاج الأسلحة الكيميائية وتخزينها. ولا تكمن أهمية التطور في عدد الذخائر وحده، بل في حقيقة أن جانباً مهماً منها لم يكن موجوداً أصلاً ضمن الإعلان الذي قدمته الحكومة السورية إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عام 2013. وهذا يغير إلى حد كبير طريقة قراءة مسار الملف خلال السنوات الماضية.
من الغوطة بدأ التحول الكبير
رغم أن البرنامج الكيميائي السوري يعود إلى عقود سابقة، بقيت دمشق لفترة طويلة خارج اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ولم تقدم للمجتمع الدولي كشفاً تفصيلياً رسمياً عن ترسانتها. لكن الحرب السورية نقلت الملف من دائرة الغموض الاستراتيجي إلى قلب الصراع الدولي.
في 21 أغسطس/آب 2013 تعرضت مناطق في الغوطة الشرقية ومعضمية الشام لهجوم كيميائي واسع شكل نقطة تحول في الحرب السورية.
بعثة الأمم المتحدة التي وصلت إلى المناطق المتضررة جمعت عينات بيئية وطبية وفحصت الذخائر ومواقع سقوطها. وأظهرت التحاليل وجود غاز السارين بصورة واضحة، وقال الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك بان كي مون إن التحقيق توصل إلى «أدلة واضحة ومقنعة» على استخدام صواريخ أرض-أرض تحمل السارين في عين ترما وزملكا والمعضمية. كما أظهرت تحاليل الدم تعرض نسبة كبيرة من الأشخاص الذين أخذت منهم العينات للسارين. لم تكن مهمة التحقيق الأممية آنذاك مخولة بتحديد الجهة المسؤولة، لكنها أثبتت أن سلاحاً كيميائياً استخدم على نطاق واسع. وتحت ضغط التهديد الأميركي بعمل عسكري، توصلت واشنطن وموسكو في سبتمبر/أيلول 2013 إلى تفاهم يقضي بوضع الترسانة الكيميائية السورية تحت الرقابة الدولية تمهيداً لتدميرها.
وفي 14 سبتمبر/أيلول 2013 أودعت سوريا وثيقة انضمامها إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ثم أصبحت رسمياً دولة طرفاً فيها في 14 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه. وبعد ذلك تبنى مجلس الأمن بالإجماع القرار 2118 في 27 سبتمبر/أيلول 2013، الذي وضع الإطار الدولي لإزالة البرنامج الكيميائي السوري.
2013–2014: الإعلان عن الترسانة وإخراجها من سوريا
قدمت دمشق في أكتوبر/تشرين الأول 2013 إعلانها الأول عن برنامجها الكيميائي. وبموجب اتفاق دولي استثنائي، أنشئت بعثة مشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية للإشراف على إزالة المواد المعلنة. وفي 23 يونيو/حزيران 2014 خرجت من الأراضي السورية آخر شحنة من المواد الكيميائية التي كانت دمشق قد أعلنت عنها، قبل أن تخضع المواد لاحقاً للتدمير تحت إشراف دولي.
وبدا ظاهرياً أن واحدة من أكبر عمليات نزع أسلحة الدمار الشامل خلال الحرب السورية قد نجحت. لكن المشكلة ظهرت في كلمة واحدة: المعلنة. فالمنظمة الدولية لم تصل في السنوات التالية إلى قناعة بأن الإعلان السوري كان كاملاً.
ثغرات بدأت تظهر في الرواية الرسمية
في أبريل/نيسان 2014 أنشأت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ما عرف بـ فريق تقييم الإعلان – DAT، وكانت مهمته مقارنة المعلومات التي قدمتها دمشق بالبيانات والوثائق والعينات التي حصلت عليها المنظمة. وسرعان ما ظهرت «ثغرات وتناقضات واختلافات» في الإعلان السوري الأول، بحسب المنظمة، ما أدى إلى سنوات طويلة من الأسئلة الفنية التي لم تحصل على إجابات مقنعة. وفي الوقت نفسه، لم تتوقف التقارير عن استخدام مواد سامة داخل سوريا.ولهذا أنشأت المنظمة في أبريل/نيسان 2014 بعثة تقصي الحقائق FFM، المكلفة بتحديد ما إذا كانت مواد كيميائية سامة قد استخدمت كأسلحة، من دون تحديد المسؤول عن استخدامها.
ثم تطورت آليات التحقيق لاحقاً لتشمل تحديد الجهات المسؤولة.
داعش استخدم الكيميائي أيضاً
الملف الكيميائي السوري لم يكن حكراً على القوات الحكومية. ففي سبتمبر/أيلول 2015 تعرضت مدينة مارع شمال حلب لهجوم باستخدام غاز الخردل الكبريتي.وبعد تحقيق استمر سنوات، خلص فريق التحقيق وتحديد الهوية التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في فبراير/شباط 2024 إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن تنظيم داعش كان المسؤول عن الهجوم، وأن المادة الكيميائية صنعت بطريقة بدائية تتوافق مع إنتاج جهة غير حكومية.
وهذا التفصيل مهم؛ لأن تحقيقات المنظمة لم تنسب كل الحوادث الكيميائية إلى جهة واحدة، بل ميزت بين الحالات بحسب الأدلة المتاحة.
خان شيخون واللطامنة: عودة السارين
في مارس/آذار 2017 سجلت سلسلة هجمات كيميائية في اللطامنة بريف حماة. ثم جاء الهجوم الأشهر في خان شيخون في 4 أبريل/نيسان 2017، حيث أثبت التحقيق الدولي استخدام السارين.
وأدت الحادثة إلى أول ضربة أميركية كبيرة مباشرة ضد القوات الحكومية السورية، عندما استهدفت الولايات المتحدة قاعدة الشعيرات الجوية. لاحقاً، توصلت آليات التحقيق الدولية إلى نتائج تربط القوات الجوية السورية بعدد من الهجمات الكيميائية.
ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية تقول اليوم إن فريق التحقيق وتحديد الهوية تمكن من تحديد القوات المسلحة السورية باعتبارها الجهة المنفذة لعدة هجمات، بينها حوادث في كفرزيتا عام 2016، واللطامنة عام 2017، وسراقب عام 2018، ودوما عام 2018.
دوما 2018
في 7 أبريل/نيسان 2018 وقع هجوم كيميائي في مدينة دوما بالغوطة الشرقية. وفي تقرير صدر عام 2023، خلص فريق التحقيق وتحديد الهوية في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن مروحية تابعة للقوات الجوية السورية ألقت أسطوانتين تحتويان على غاز الكلور السام على مبنيين سكنيين.
وبحسب المنظمة أدى الهجوم إلى مقتل 43 شخصاً بالاسم وإصابة عشرات آخرين. وكانت حادثة دوما من آخر الأحداث الكيميائية الكبرى التي استحوذت على اهتمام دولي واسع خلال الحرب، وأعقبها قصف أميركي-بريطاني-فرنسي لمواقع سورية.
2021: تعليق حقوق سوريا داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية
مع استمرار الخلاف حول الإعلان السوري وعدم تقديم ما اعتبرته المنظمة إجابات كافية، اتخذ الملف بعداً دبلوماسياً غير مسبوق. ففي أبريل/نيسان 2021 صوت مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية على تعليق بعض حقوق وامتيازات سوريا داخل المنظمة. وشمل القرار حرمان سوريا من التصويت في المؤتمر والمجلس التنفيذي ومن الترشح لعضوية المجلس أو تولي مناصب في هيئات المنظمة. وبررت المنظمة القرار بعدم الكشف الكامل عن البرنامج الكيميائي، إضافة إلى النتائج التي توصلت إليها التحقيقات بشأن استخدام أسلحة كيميائية.
وهكذا دخل الملف في حالة جمود استمرت حتى سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
سقوط الأسد يفتح المواقع المغلقة
بعد تغيير السلطة في دمشق، تغيرت العلاقة بين سوريا ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بصورة كبيرة. في فبراير/شباط 2025 زار المدير العام للمنظمة سوريا، وأعلنت السلطات الجديدة اعترافها بولايات فرق التحقيق المختلفة واستعدادها للتعاون للكشف عن كامل البرنامج السابق.
وبدأت عمليات تفتيش ومقابلات وجمع وثائق وزيارات لمواقع كان الوصول إليها محدوداً أو مستحيلاً سابقاً. وكانت النتيجة الأهم في مايو/أيار 2026.
مايو 2026: العثور على ما لم يُعلن عنه
في 27 مايو/أيار أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية اكتشاف كمية كبيرة من الأسلحة والمواد الكيميائية والوثائق التي لم يسبق الإعلان عنها.
وقالت المنظمة إن خبراءها عملوا على أكثر من 100 موقع تعتبر محتملة الصلة بالبرنامج الكيميائي السابق، مع إعطاء الأولوية لمواقع في المناطق الساحلية والوسطى، ولا سيما ضمن مثلث واسع يضم حماة وحمص واللاذقية. وكانت بعض الاكتشافات شديدة الدلالة. فقد عثر المفتشون على عشرات الذخائر الكيميائية غير المعلنة، بينها قنابل جوية من النوع نفسه الذي استخدم في هجمات اللطامنة عام 2017 وخان شيخون في العام نفسه.
كما عثروا على صواريخ مشابهة للنوع المستخدم في هجوم الغوطة عام 2013، إضافة إلى مواد كيميائية ومعدات وآلاف الصفحات من الوثائق المتعلقة بالبرنامج. وهنا اكتسب الملف بعداً جديداً. فالمنظمة قالت صراحة إن هذه الاكتشافات تؤكد تقييمها المتكرر منذ عام 2014 بأن النظام السابق حجب معلومات عن الحجم الحقيقي للبرنامج الكيميائي وقدم إعلاناً غير مكتمل.
يوليو 2026: استعادة سوريا حقوقها
التعاون الجديد أدى إلى تحول دبلوماسي سريع. ففي 9 يوليو/تموز 2026 قرر المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بالإجماع، إعادة الحقوق والامتيازات الكاملة لسوريا التي كانت معلقة منذ عام 2021. شارك في رعاية القرار 67 دولة. وجاء القرار بعد تعديل سوريا أجزاء من إعلانها الأول، والسماح بعمليات التحقق، ووضع خطط لتدمير الذخائر المكتشفة، بما في ذلك خطة خاصة لموقع القطيفة في ريف دمشق واتفاقات للتحقق من منشآت تخزين في القطيفة وحمص.
لكن استعادة الحقوق لم تكن إعلاناً عن إغلاق الملف؛ بل كانت عملياً انتقالاً من مرحلة الصدام بين دمشق والمنظمة إلى مرحلة التعاون في تفكيك ما تبقى من البرنامج.
سبتمبر 2026: بداية التدمير الفعلي
المرحلة الجديدة وصلت في سبتمبر/أيلول إلى عمليات التدمير الميداني. وبحسب المعلومات المنشورة في 3 سبتمبر، جرى التحقق من تدمير 42 قنبلة جوية ومنشآت مرتبطة بالإنتاج والتخزين، في أول عمليات تدمير موثقة دولياً داخل البلاد منذ سنوات. وتفيد التقارير أيضاً بأن السلطات السورية الجديدة تتحرك في مسار قضائي موازٍ، مع التحضير لمحاكمة 18 شخصاً يشتبه بصلتهم بالبرنامج الكيميائي السابق، بينهم شخصيات توصف بأنها رفيعة المستوى.
لماذا يعتبر التطور الحالي مختلفاً عن عملية 2014؟
هناك فرق جوهري بين المرحلتين.
في 2013–2014، كان المجتمع الدولي يدمر ما أعلنه النظام السوري عن نفسه.
أما في 2025–2026، فتحاول المنظمة الدولية تحديد ما لم يعلنه ذلك النظام أصلاً.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في قراءة تاريخ الملف. فنجاح المجتمع الدولي عام 2014 في إزالة المواد التي قدمتها دمشق في إعلانها لم يكن بالضرورة دليلاً على انتهاء البرنامج بكامله، بل على انتهاء الجزء المعلن منه. والاكتشافات الجديدة تفسر لماذا ظل ملف الأسلحة الكيميائية السورية مفتوحاً داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لأكثر من عقد رغم إعلان تدمير الترسانة المصرح عنها.
من ملف نزع سلاح إلى ملف مساءلة
لذلك يدخل الملف الكيميائي السوري اليوم مرحلة ثالثة مختلفة عن المرحلتين السابقتين.
المرحلة الأولى كانت إثبات الاستخدام، وبلغت ذروتها في الغوطة عام 2013.
والثانية كانت إزالة الترسانة المعلنة والتحقيق في الهجمات اللاحقة.
أما المرحلة الحالية فهي محاولة إعادة بناء البرنامج كاملاً بأثر رجعي: أين صنعت المواد؟ أين خزنت؟ ما الذخائر التي أنتجت؟ من أصدر الأوامر؟ ما الوحدات العسكرية والعلمية التي شاركت؟ وما الذي أخفي عن المفتشين الدوليين بين 2013 و2024؟
وقد تكون آلاف الوثائق التي عثر عليها المفتشون أكثر أهمية على المدى الطويل من الذخائر نفسها، لأنها قد تسمح بإعادة تركيب سلسلة القيادة والتمويل والإنتاج والنقل والاستخدام. وبهذا المعنى، فإن تدمير 42 قنبلة لا يمثل نهاية قصة الأسلحة الكيميائية في سوريا، بل قد يكون بداية المرحلة الأكثر حساسية منها: الانتقال من البحث عن السلاح إلى البحث عن المسؤولية.
فبعد ثلاثة عشر عاماً على هجوم الغوطة، لم يعد السؤال الدولي مقتصراً على ما إذا كانت سوريا لا تزال تمتلك مواد كيميائية عسكرية، وإنما أصبح يتعلق أيضاً بكيفية بقاء جزء من البرنامج مخفياً طوال تلك السنوات، ومن كان يعرف عنه، ومن شارك في تشغيله، وما إذا كان بالإمكان تحويل نتائج التحقيقات التقنية التي راكمتها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى مساءلة قضائية للأشخاص المسؤولين عن استخدام أحد أكثر الأسلحة المحظورة دولياً.

