داعش بعد سقوط «دولته المزعومة»: الأمم المتحدة تحذر من تنظيم أكثر لامركزية وقدرة على التكيف مع التكنولوجيا والفوضى الإقليمية

Issam Khoury

ByIssam Khoury

6 أغسطس 2026

عاد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» إلى طاولة مجلس الأمن الدولي في 5 أغسطس/آب 2026، لكن الصورة التي قدمتها الأمم المتحدة هذه المرة تختلف كثيرًا عن تلك التي عرفها العالم في ذروة التنظيم عندما كان يسيطر على مدن واسعة في سوريا والعراق ويعلن ما سماه «الخلافة»، فالتقرير الثالث والعشرون للأمين العام للأمم المتحدة بشأن التهديد الذي يمثله تنظيم داعش، والذي يحمل الرقم S/2026/638 وصدر في 31 يوليو، لا يتحدث عن عودة التنظيم بالشكل نفسه الذي كان عليه قبل عقد، بل يحذر من خطر مختلف: شبكة أكثر لامركزية، أقل اعتمادًا على قيادة مركزية واحدة، وأكثر قدرة على التكيف مع الضغوط الأمنية والتكنولوجيا الحديثة والأزمات المحلية في مناطق متعددة من العالم.

بخسب مراسلنا في الأمم. المتحدة عصام خوري، عقد مجلس الأمن جلسته رقم 10205 تحت بند «التهديدات التي يتعرض لها السلام والأمن الدوليان من جراء الأعمال الإرهابية»، واستمع إلى إحاطتين من مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب والمديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب، قبل أن يقدم أعضاء المجلس مواقفهم من تطور خطر داعش عالميًا. والرسالة الأساسية التي خرجت بها الجلسة يمكن تلخيصها بالآتي:

داعش خسر الكثير من قدرته على العمل كتنظيم مركزي، لكنه لم يُهزم كشبكة عالمية.

أكدت أوغولجيرين نيازبرردييفا، المسؤولة في مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، أن العمليات المتواصلة ضد داعش ألحقت أضرارًا بقياداته العليا وقلصت قدرة القيادة المركزية على توجيه العمليات، لكن التنظيم استجاب لذلك من خلال تغيير هيكله. فالقيادة أصبحت أكثر تشتتًا، والفروع الإقليمية أصبحت تتمتع بهامش أكبر في اتخاذ القرار وتمويل نفسها وتجنيد العناصر وتنفيذ العمليات وفق الظروف المحلية. وقالت المسؤولة الأممية أمام المجلس إن «داعش ما يزال يشكل تهديدًا خطيرًا للسلم والأمن الدوليين»، مشيرة إلى أن التنظيم يستفيد بصورة مستمرة من الدول الهشة والصراعات الممتدة والفراغات الأمنية. وتكمن خطورة هذا النموذج في أن قتل قيادي كبير أو ضرب مركز قيادة لم يعد كافيًا لتعطيل الشبكة بكاملها. فالفروع أصبحت أكثر استقلالية، بينما تستمر الرابطة الفكرية والدعائية والمالية بينها.

وهكذا تحول داعش من تنظيم يسعى إلى إدارة «دولة» ذات أرض وحدود ومؤسسات إلى علامة وشبكة عابرة للحدود تستطيع البقاء حتى مع خسارة قياداتها ومناطق سيطرتها.

أفريقيا تتحول إلى مركز الثقل الجديد

أحد أبرز استنتاجات التقرير هو التحول المتزايد في مركز نشاط داعش من الشرق الأوسط إلى أفريقيا. فقد وصف التقرير ولاية غرب أفريقيا التابعة لداعش (ISWAP) بأنها الفرع الأكثر نشاطًا للتنظيم في العالم خلال النصف الأول من 2026. كما أشار إلى تزايد نشاط التنظيم في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد والكونغو الديمقراطية وموزمبيق. وقدر التقرير قوة تنظيم «الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى» بنحو ألفي عنصر، مع توسع واضح في قدراته داخل النيجر ومناطق مجاورة. وبحسب تقييم الأمم المتحدة، شكلت النيجر وحدها نحو ثلاثة أرباع الهجمات التي أعلن هذا الفرع مسؤوليته عنها خلال 2026، ومن بينها هجوم على مطار نيامي الدولي في يناير أظهر قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات معقدة في مناطق حضرية.

هذا التحول له أهمية استراتيجية.

فالجماعات الإرهابية تستفيد في عدد من الدول الإفريقية من مجموعة عوامل متداخلة: ضعف مؤسسات الدولة، الحدود الواسعة التي يصعب مراقبتها، النزاعات المحلية، الفقر، البطالة، شبكات التهريب والجريمة المنظمة، والمناطق التي لا تصل إليها الخدمات الحكومية بصورة فعالة.

ولهذا شددت عدة دول إفريقية خلال جلسة مجلس الأمن على أن مكافحة التنظيم لا يمكن أن تكون عسكرية فقط.

فالصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية ودول أخرى دعت إلى معالجة الأسباب التي تسمح للجماعات المتطرفة بتجنيد السكان، مثل غياب التنمية والبطالة وضعف الحكم المحلي.

سوريا: خطر تغير شكله لكنه لم يختف

بالنسبة إلى سوريا، يحمل تقرير أغسطس أهمية خاصة، فالأمم المتحدة ترى أن التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد أعادت تشكيل البيئة التي يعمل داخلها تنظيم داعش. وخلال إحاطة مجلس الأمن، قالت المسؤولة الأممية إن «المشهد السياسي والأمني المتطور في الجمهورية العربية السورية يواصل إعادة تشكيل بيئة التهديد». حيث لم يعد داعش يسيطر على مدن أو مساحات جغرافية كبيرة كما فعل في الرقة ودير الزور ومناطق من العراق بين عامي 2014 و2017، لكنه يحتفظ بخلايا قادرة على تنفيذ عمليات أكثر مرونة.

أشار ممثل اليونان في مجلس الأمن إلى استمرار وجود عمليات لداعش في سوريا واعتماده بصورة متزايدة على تكتيكات الضرب والانسحاب ضد أهداف عسكرية وسياسية ودينية، بما في ذلك داخل المناطق الحضرية. وهنا تظهر مشكلة مختلفة عن مرحلة «الخلافة». فالقضاء على دولة أمر يمكن قياسه بالسيطرة على الأرض، أما مواجهة شبكة خلايا سرية فتتطلب أجهزة استخبارات وقضاء ومؤسسات أمنية وشرطة محلية وتعاونًا بين السكان والدولة.

ولهذا يصبح نجاح سوريا في منع عودة داعش مرتبطًا أيضًا بقدرة الدولة الجديدة على بناء مؤسسات أمنية خاضعة للقانون وفرض سلطتها على كامل الأراضي دون خلق مظالم جديدة يستطيع التنظيم استغلالها.

إغلاق مخيم الهول يفتح ملفًا أمنيًا جديدًا

من أكثر القضايا حساسية في التقرير إغلاق مخيم الهول في فبراير 2026. كان المخيم طوال سنوات يضم عشرات الآلاف من الأشخاص، بينهم عائلات مرتبطة بمقاتلين في داعش وأعداد كبيرة من النساء والأطفال من سوريا والعراق ودول أجنبية. وأشارت الأمم المتحدة في جلسة أغسطس إلى أن إغلاق المخيم أدى إلى مخاوف أمنية جديدة بسبب عدم وضوح مكان وجود آلاف الأشخاص الذين كانوا داخله.

لكن الأمم المتحدة حذرت في الوقت نفسه من التعامل مع الملف باعتباره أمنيًا فقط، فالأطفال والنساء الموجودون في تلك البيئات ليسوا جميعًا مقاتلين أو مجرمين، وهناك حاجة إلى إجراءات قانونية فردية تفرق بين المتهمين بارتكاب جرائم وبين أفراد الأسر والأطفال، ولهذا شدد مسؤولو الأمم المتحدة على ضرورة تطوير برامج للملاحقة القضائية حيث توجد أدلة، إلى جانب إعادة التأهيل وإعادة الإدماج، وبصورة تراعي العمر والجنس وحقوق الإنسان.

والفشل في معالجة هذه القضية قد ينتج مشكلة جديدة: جيل من الأطفال والشباب المهمشين يمكن أن يتحول مستقبلًا إلى بيئة تجنيد جديدة للتنظيم.

العراق: نجاح أمني لكن الأمم المتحدة تحذر من الاطمئنان

في العراق تبدو الصورة أفضل نسبيًا، فبحسب التقرير، أدت العمليات المستمرة إلى تقليص قدرات داعش بدرجة كبيرة، وأكدت الأمم المتحدة أن الضغط الأمني والاستخباراتي جعل قدرة التنظيم على العمل داخل العراق محدودة مقارنة بمراحل سابقة.

لكن الرسالة الأممية كانت واضحة: النجاح العسكري لا يكفي.حيث قالت نيازبرردييفا إن التحدي الآن يتمثل في تثبيت المكاسب التي تحققت من خلال بناء مؤسسات قوية وخاضعة للمساءلة، ونظام عدالة فعال، وبرامج إعادة تأهيل وإدماج، ومعالجة الظروف التي يمكن أن تسمح بعودة التنظيم.

وهذا الدرس له أهمية مباشرة لسوريا أيضًا.

فداعش نشأ وتوسع في الأساس داخل بيئات شهدت انهيار مؤسسات الدولة، وانقسامات اجتماعية عميقة، وشعور جماعات محلية بالتهميش، وانتشار السلاح.

وبالتالي فإن منع عودته لا يعتمد فقط على عدد المقاتلين الذين يتم اعتقالهم أو قتلهم، وإنما على منع عودة البيئة التي سمحت له بالتوسع أصلًا.

داعش خراسان: القدرة على تنفيذ عمليات خارج أفغانستان

في جنوب آسيا، حذرت الأمم المتحدة بصورة خاصة من تنظيم داعش–ولاية خراسان (ISIL-K)، ورغم تعرض الفرع لعمليات أمنية وخسائر في أفغانستان وباكستان، ما يزال يُعتبر واحدًا من أكثر فروع داعش قدرة على تنفيذ عمليات معقدة.، وبحسب التقرير، يحتفظ التنظيم بالنية والقدرة على دعم أو إلهام عمليات خارج الأراضي الأفغانية، ويستفيد من عدم الاستقرار المحلي في التجنيد والتخطيط. ويزيد هذا الفرع من الطبيعة العابرة للحدود لخطر داعش.

فالتهديد لم يعد مرتبطًا بمكان سيطرة التنظيم الفعلية، بل يمكن لخلية صغيرة أو شخص جرى تجنيده عبر الإنترنت أن ينفذ هجومًا في دولة أخرى دون حاجة إلى السفر إلى مناطق يسيطر عليها التنظيم.

الذكاء الاصطناعي يدخل ساحة الإرهاب

ربما كان الجانب الأكثر حداثة في جلسة مجلس الأمن هو التحذير من طريقة استخدام التنظيمات الإرهابية للتكنولوجيا. فبحسب الأمم المتحدة، يستخدم داعش وفروعه بصورة متزايدة:

الذكاء الاصطناعي، الاتصالات المشفرة، وسائل التواصل الاجتماعي، منصات الألعاب، العملات والأصول الافتراضية، والطائرات المسيّرة.

وهذه الأدوات تستخدم في مجالات متعددة، من نشر الدعاية وتجنيد المؤيدين إلى جمع الأموال والتواصل والتخطيط للعمليات. والطائرات التجارية المسيّرة أصبحت مصدر قلق خاص.

ففرع داعش في غرب أفريقيا أظهر قدرة متزايدة على الحصول على تقنيات مسيّرات تجارية واستخدامها، بينما تعمل الأمم المتحدة مع الدول على منع وصول الأنظمة الجوية غير المأهولة إلى الجماعات الإرهابية. أما الذكاء الاصطناعي فيضيف تحديًا آخر. فيمكن استخدامه لإنتاج دعاية أكثر جودة، ترجمة المحتوى إلى لغات عديدة، صناعة صور وفيديوهات مزيفة، وتخصيص الرسائل الدعائية لاستهداف فئات معينة، وبذلك أصبحت مكافحة التطرف الرقمي سباقًا تقنيًا وليس أمنيًا فقط.

العملات الرقمية والشبكات الإجرامية

حذرت المديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب أيضًا من استمرار الثغرات في مواجهة العلاقة بين الإرهاب والجريمة المنظمة، فالجماعات المسلحة تستطيع استخدام شبكات التهريب والاتجار غير المشروع للحصول على الأموال والسلاح والمعدات، بينما توفر الأصول الافتراضية والعملات المشفرة طرقًا إضافية لنقل الأموال خارج النظام المصرفي التقليدي، ولهذا دعت الأمم المتحدة إلى تعاون أكبر في التحقيقات المالية ومراقبة الحدود وتبادل المعلومات.

المشكلة هنا أن التنظيمات أصبحت أكثر مرونة من الأنظمة الحكومية في بعض الحالات؛ فالأجهزة الأمنية تبقى مرتبطة بحدود الدولة وقوانينها، بينما تتحرك شبكات التمويل والتكنولوجيا والتجنيد عبر عشرات الدول في الوقت نفسه.

بعد أيام من جلسة 5 أغسطس، صدر في 10 أغسطس التقرير الثامن والثلاثون لفريق الدعم التحليلي ورصد الجزاءات التابع لمجلس الأمن، S/2026/651، والمتخصص في داعش والقاعدة والجماعات والأفراد المرتبطين بهما. ويختلف هذا التقرير عن تقرير الأمين العام الاستراتيجي.

فتقرير الأمين العام يقدم صورة سياسية وأمنية عامة عن التهديد العالمي، بينما يعمل فريق الرصد ضمن نظام العقوبات الذي أنشأه مجلس الأمن، ويركز بصورة أكبر على التنظيمات والأفراد والتمويل والعلاقات بين الفروع وتنفيذ العقوبات. وجود التقريرين في الشهر نفسه يعكس حجم الاهتمام الدولي بتحول التهديد من تنظيم مركزي إلى منظومة واسعة من الفروع والشبكات.

بالنسبة إلى سوريا والعراق، تحمل الرسالة الأممية تحذيرًا واضحًا من الاعتقاد بأن خسارة داعش لأراضيه تعني نهاية المشكلة. فالمنطقة تدخل مرحلة إعادة بناء سياسي وأمني واقتصادي، وهذه المرحلة نفسها يمكن أن تحمل مخاطر. إذا نجحت المؤسسات الجديدة في فرض القانون، ودمج المجتمعات المحلية، وتوفير فرص اقتصادية، وتحقيق العدالة ومنع الاعتقالات والانتهاكات والتمييز، فإن المساحة التي يستطيع داعش التحرك داخلها ستتقلص. أما إذا ظهرت فراغات أمنية أو نزاعات طائفية أو مناطق خارج سيطرة الدولة أو سجون ومخيمات غير خاضعة لإدارة مستقرة، فإن التنظيم سيحاول استغلالها. وهنا تكتسب سوريا أهمية خاصة. فالانتقال السياسي وإعادة دمج المؤسسات والقوات المختلفة، وتسوية أوضاع شمال شرق البلاد، ومعالجة ملف المعتقلين والمقاتلين السابقين وأسرهم، كلها ملفات ليست منفصلة عن مكافحة الإرهاب، بل تقع في قلبها.

من أكثر الرسائل أهمية في كلمات أعضاء مجلس الأمن تأكيد أن مكافحة داعش يجب ألا تتحول إلى مبرر لانتهاك حقوق الإنسان. فالتجارب السابقة أثبتت أن العمليات الأمنية غير المنضبطة والاعتقال الجماعي والتمييز ضد المجتمعات المحلية يمكن أن تنتج مظالم يستخدمها المتطرفون لاحقًا في التجنيد والدعاية. ولهذا شددت الأمم المتحدة على أن الاستجابة يجب أن تستند إلى القانون وحقوق الإنسان وحماية المدنيين، إلى جانب العمليات الأمنية. وهذه النقطة ربما تكون أكثر أهمية من عدد عناصر التنظيم أو عدد عملياته.

فداعش لا يعيش فقط بالسلاح، يعيش أيضًا على الفشل السياسي والاجتماعي للدول التي ينشط داخلها.

تكشف جلسة مجلس الأمن في 5 أغسطس 2026 أن المرحلة الحالية من الحرب على داعش مختلفة جذريًا عن المرحلة السابقة. في الماضي كان يمكن تصوير التنظيم على خريطة: مدن يسيطر عليها، حقول نفط، معابر وحدود. أما اليوم فالخريطة أقل وضوحًا. هناك فرع قوي في غرب أفريقيا، وشبكات في الساحل، وخلايا في سوريا والعراق، وفرع قادر على تنفيذ هجمات خارجية في أفغانستان، إضافة إلى شبكات إلكترونية وتمويل وعمليات تجنيد لا تعترف بالحدود. ولهذا جاءت الرسالة الختامية للأمم المتحدة واضحة:

إذا كان داعش يتطور، فيجب أن تتطور طريقة مواجهته أيضًا.

فقتل القيادات سيبقى ضروريًا، لكنه لن يكون كافيًا. مواجهة التنظيم في مرحلته الجديدة تحتاج إلى الاستخبارات والقضاء والرقابة المالية والتكنولوجيا وإدارة الحدود، لكنها تحتاج أيضًا إلى مؤسسات سياسية واقتصادية تمنع الجماعات المتطرفة من العثور على مجتمعات مهمشة يمكن تحويل غضبها إلى وقود لحرب جديدة. وهنا ربما تكمن المفارقة الكبرى بعد أكثر من عقد على إعلان «الخلافة»:

داعش خسر دولته، لكنه أثبت أنه قادر على البقاء دونها.

والتحدي الذي يواجه سوريا والعراق والمجتمع الدولي اليوم هو منع هذا البقاء من أن يتحول مرة أخرى إلى قدرة على بناء سلطة أو أرض أو جيش.

VOS – Voice of Syria | متابعة قضايا الأمم المتحدة والشرق الأوسط

Issam Khoury

ByIssam Khoury

عصام خوري صحفيّ وروائيّ مقيمٌ بنيويورك،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *