حفل أصالة في دمشق… الفن خارج وصاية السياسة والتشدد الديني

أحيت الفنانة السورية أصالة نصري مساء الخميس 17 أيلول/سبتمبر حفلاً في صالة الفيحاء بالعاصمة دمشق، في عودة إلى الغناء أمام الجمهور السوري بعد غياب استمر نحو خمسة عشر عاماً.

وجاء الحفل بعد جدل واسع سبق موعده، ولا سيما مع تصاعد دعوات من دعاة وشخصيات سلفية طالبت بإلغائه، واعتبرت الحفلات الغنائية مخالفة لما تراه من قيم دينية واجتماعية. إلا أن الحفل مضى في موعده، بعد أن كانت جميع بطاقاته قد نفدت مسبقاً، في مؤشر على وجود شريحة واسعة من السوريين ترغب في عودة النشاط الفني والترفيهي إلى المجال العام.

وكانت الحملة المعارضة للحفل قد اتخذت أشكالاً متعددة، بدءاً من المنشورات والبيانات الدينية، وصولاً إلى تمزيق بعض الإعلانات في شوارع دمشق. وقاد الداعية المصري هاني دهب، المعروف باسم «الشيخ الذهبي»، حملة تحت عنوان «إلغاء حفلات المعاصي»، فيما انتقد الداعية السلفي عبد الرزاق المهدي الحفل، كما طالب «ملتقى دعاة الشام» وزارة الثقافة بإلغائه. وفي المقابل، استمرت وزارة الثقافة السورية في رعاية الفعالية وأكدت إقامتها في موعدها.

لكن النقاش الذي أثاره حفل أصالة يتجاوز الفنانة نفسها، بل وحتى تقييم تجربتها الفنية أو مواقفها السياسية السابقة. فالقضية الأوسع تتعلق بالسؤال عن المساحة التي ينبغي أن يشغلها الفن في مجتمع متنوع، وحدود حق أي تيار ديني أو سياسي في فرض رؤيته على الآخرين.

من حق أي شخص أن يرفض أغاني أصالة، وألا يشتري بطاقة لحفلها، وأن ينتقد نوع الموسيقى التي تقدمها. ومن حق رجل الدين أيضاً أن يعبّر عن موقفه الديني من الموسيقى أمام أتباعه. لكن هناك فارقاً أساسياً بين التعبير عن موقف شخصي أو ديني وبين محاولة تحويل هذا الموقف إلى وصاية على المجال العام، بحيث يُحرم الآخرون من نشاط فني لأن مدرسة فقهية معينة لا تقبله.

وهنا تظهر أهمية الفصل بين الفن والسياسة والأيديولوجيا الدينية.

فالفنان لا ينبغي أن يصبح مقبولاً فقط لأنه اتخذ موقفاً سياسياً يتوافق مع السلطة القائمة، ولا مرفوضاً لأنه اختلف معها. وبالمثل، لا ينبغي أن يخضع وجود المسرح أو الموسيقى أو السينما لموافقة مدرسة دينية بعينها.

أصالة كانت خلال السنوات الماضية صاحبة موقف سياسي واضح ضد نظام بشار الأسد، وهو موقف جعل عودتها اليوم تحمل لدى البعض رمزية سياسية. لكن تحويل الحفل إلى مناسبة سياسية بحد ذاته لا يقل إشكالية عن محاولة منعه لأسباب دينية. فالمعيار الأكثر اتساقاً مع مجتمع تعددي هو أن تُترك الأغنية للجمهور، وأن يبقى تقييم الفنان في فضائه الفني، بينما تبقى المواقف السياسية قابلة للنقد والمساءلة بصورة مستقلة.

والأمر نفسه ينطبق على السلطة. فرعاية المؤسسات الرسمية للثقافة والفنون يمكن النظر إليها بوصفها دعماً للحياة الثقافية، لكن الأفضل ألا تتحول الثقافة إلى أداة لقياس الولاء السياسي أو لتقسيم الفنانين بين مؤيد ومعارض. فالمجتمعات التي تريد بناء مؤسسات مستقرة تحتاج إلى فضاء ثقافي قادر على استيعاب الاختلاف، لا إلى استبدال رقابة سياسية قديمة برقابة أيديولوجية جديدة.

وقد أظهرت الضجة التي سبقت حفل أصالة أن الصراع حول هوية سوريا الثقافية لم ينته. فهناك تيارات تريد توسيع مساحة الفنون والحريات الاجتماعية، وفي المقابل توجد تيارات دينية محافظة ترى بعض هذه الأنشطة مخالفة لقيم المجتمع. وهذه الخلافات في حد ذاتها طبيعية في أي مجتمع، لكن الاختبار الحقيقي يكمن في إدارة الاختلاف من دون أن يمتلك طرف حق إلغاء الطرف الآخر.

فمن يرى في الحفل فعلاً محرماً يستطيع مقاطعته، ومن يرغب في الاستماع إلى أصالة يستطيع شراء بطاقة وحضوره. وبين الخيارين توجد قاعدة بسيطة يمكن أن تحمي الطرفين: حرية الاعتقاد لا تعني فرض الاعتقاد، وحرية الفن لا تعني إجبار أحد على استهلاكه.

ولهذا ربما تكون إحدى أهم دلالات أمسية الفيحاء ليست في الأغاني التي قدمتها أصالة، ولا في مواقفها السياسية السابقة، وإنما في حقيقة أن الجمهور اختار الحضور رغم الحملة الواسعة التي سبقت الحفل.

وبالنسبة إلى سوريا الخارجة من عقود من الاستبداد ومن سنوات طويلة من الحرب والصراع الأيديولوجي، فإن حماية هذا النوع من الاختيار الفردي قد تكون أكثر أهمية من النقاش حول اسم الفنان الموجود على المسرح.

فالفن لا يحتاج إلى فتوى كي يوجد، كما أنه لا يحتاج إلى شهادة ولاء سياسي كي يستمر. جمهوره هو من يقرر إن كان يريد أن يستمع إليه أم لا.

VOS Newsroom

ByVOS Newsroom

«VOS Voice of Syria منصة إعلامية مستقلة مقرها نيويورك، تنتج الأخبار والتقارير والتحليلات والمقابلات والبرامج المرئية حول سوريا والشرق الأوسط والشؤون الدولية.»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *