في حلقة جديدة ومكثفة من برنامج “جيوبوليتيك وشوية منطق”، يقدّم الكاتب والمحلل السياسي عصام خوري قراءة تفكيكية شاملة وموضوعية لجلسة مجلس الأمن رقم (10215) المنعقدة في 17 آب/أغسطس 2026 حول الملف السوري. وتكتسب هذه الجلسة أهمية بالغة كونها تأتي ضمن سلسلة اجتماعات المساءلة الشهرية التي تفرضها أروقة الأمم المتحدة للوقوف على تطورات “الحكومة الانتقالية” ومدى ملاءمة البيئة السياسية والأمنية للتحول نحو دولة حقيقية ومستقرة.
المحاور الخمسة الكبرى ومسار التعافي الدولي
أوضح خوري أن الجلسة تركزت حول خمسة ملفات مفصلية تشكل العمود الفقري للمرحلة المقبلة:
- الاندماج السياسي والمؤسساتي: تقييم بناء المؤسسات وفصل السلطات.
- الملف الأمني: مسألة حل ودمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مؤسسات الدولة.
- البيئة الاقتصادية: التطورات الناجمة عن قرار رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب وتأثيره على الاستثمار والنظام المصرفي.
- الانتهاكات والسيادة: الاعتداءات والتحركات العسكرية الإسرائيلية على الأراضي السورية.
- الواقع الإنساني: مدى استجابة المجتمع الدولي للتعافي المبكر وإعادة الاعتبار للنازحين واللاجئين.
وقد شهدت الجلسة تحولاً إيجابياً نس بياً نحو دعم التعافي الاقتصادي وعودة الملاحة التجارية والمصرفية، وسط تقاطع بين القوى الدولية الكبرى (الولايات المتحدة، روسيا، بريطانيا، فرنسا، والمجموعة العربية) على وحدة الأراضي السورية والتمثيل السياسي لجميع المكونات.
تحذيرات المجتمع المدني: خطورة إعادة إنتاج السلطة
شكلت إحاطة ممثلة المجتمع المدني، رولا ركبي، نقطة فارقة ومحورية في الجلسة؛ حيث طرحت تساؤلاً جوهرياً يعكس تخوف الشارع السوري: “هل نحن أمام بناء دولة جديدة حقاً، أم إنشاء نظام مشابه بوجوه ساطعة؟”.
وسلط التحليل الضوء على الانتقادات الحقوقية البارزة التي شملت:
- تركيز السلطة وغياب الشفافية: تركيز اتخاذ القرار لدى شخصيات مركزية دون آليات مساجلة موثوقة.
- ضعف تمثيل المرأة: حضور خجول للعدالة التمثيلية حيث لا تتجاوز نسبة تمثيل النساء 11% في السلطة التشريعية ومقعد واحد في الحكومة.
- العدالة الانتقالية الشاملة: التأكيد على أن العدالة يجب ألا تتجزأ، وأن الضحية تبقى ضحية بغض النظر عن هوية مرتكب الانتهاك، سواء من أزلام النظام السابق أو الفصائل المسلحة أو الانتهاكات التي تلت تحولات ديسمبر 2024.
قراءة نقدية في الأداء الدبلوماسي
تناول عصام خوري بالتحليل كلمة المندوب السوري، إبراهيم العلبي؛ ورغم إشادته بثقة ودفاع المندوب عن السيادة الوطنية، إلا أنه قدّم ملاحظات تقنية ودبلوماسية دقيقة حول الخطاب المعتمد:
- الإفراط في البلاغة والتفاؤل: استخدام عبارات احتفالية وإعلان انتهاء الأزمة في محفل يسعى للتدقيق بالأرقام، مما يناقض إحاطات الأمم المتحدة التي تؤكد استمرار الهشاشة السياسية والإنسانية.
- الهروب من التساؤلات الداخليّة: الاعتماد على العواطف والثنائيات الإعلامية في مواجهة المسائلات الموجهة حول استقلالية القضاء، ضمان الحريات المدنية، وحماية الأقليات والنساء، بدلاً من إبراز خطة عمل واستراتيجية حكومية واضحة ومحددة بجدول زمني.
- الانزلاق للتحليل السياسي: الدخول في دوافع شخصية للسياسيين الإقليميين بدلاً من الاستناد الصارم إلى مجريات القانون الدولي والاتفاقيات الموقعة (مثل اتفاق فض الاشتباك 1974).

