اليمن على حافة حرب واسعة من جديد: الأمم المتحدة تحذر من انهيار هدنة 2022 وسط تصعيد الحوثيين وأزمة إنسانية خانقة

Issam Khoury

ByIssam Khoury

14 أغسطس 2026

عاد اليمن إلى واجهة مجلس الأمن الدولي في 13 أغسطس/آب 2026 برسالة تحذير شديدة الوضوح من الأمم المتحدة: البلاد تواجه اليوم خطرًا أكبر للعودة إلى صراع واسع النطاق مقارنة بأي وقت مضى منذ الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022. وجاء هذا التحذير خلال الجلسة رقم 10208 لمجلس الأمن، التي استمع فيها الأعضاء إلى إحاطتين من المبعوث الخاص للأمين العام إلى اليمن هانس غروندبرغ، ووكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة الطارئة توم فليتشر، قبل انتقال المجلس إلى مشاورات مغلقة حول الملف اليمني. وكانت الخلاصة التي قدمها المسؤولان الأمميان حسب مراسلنا في الأمم المتحدة عصام خوري، أكثر خطورة من مجرد الحديث عن اشتباكات جديدة.

فاليمن، الذي عاش منذ هدنة أبريل/نيسان 2022 حالة من «لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي»، بات مهددًا بفقدان هذا التوازن الهش تحت ضغط ثلاثة عوامل متزامنة:

تصاعد النشاط العسكري الداخلي، عودة هجمات الحوثيين على الملاحة والصواريخ العابرة للحدود، وانهيار إنساني واقتصادي متسارع يجعل المجتمع اليمني أقل قدرة على تحمل جولة حرب جديدة.

الخطر الأكبر منذ هدنة 2022

افتتح المبعوث الأممي هانس غروندبرغ إحاطته بجملة لا تحتمل الكثير من التأويل:

«اليمن يواجه اليوم خطرًا أكثر خطورة للعودة إلى صراع واسع النطاق من أي وقت مضى منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022.»

وأشار إلى تكثف النشاط العسكري على خطوط الجبهات، مع هجمات حديثة شنتها جماعة أنصار الله، أو الحوثيون، في مأرب وحضرموت والمخا ومناطق أخرى، أدت إلى سقوط ضحايا من العسكريين والمدنيين. وهنا تكمن أهمية تحذير غروندبرغ. فاليمن لم يشهد منذ 2022 تسوية سياسية حقيقية، لكن الهدنة نجحت عمليًا في تخفيض مستوى الحرب المباشرة على العديد من الجبهات.ومع مرور السنوات تحول ذلك الهدوء النسبي إلى نوع من الأمر الواقع، لكن الأمم المتحدة تحذر الآن من أن استمرار غياب الحل السياسي لم يؤد إلى السلام، بل سمح فقط بتجميد الحرب،. والنزاعات المجمدة يمكن أن تعود بسرعة عندما تتغير موازين القوى أو تتفاقم الأزمات الإقليمية.

المشكلة الثانية التي أبرزها المبعوث الأممي هي أن الأزمة اليمنية لم تعد محصورة داخل حدود اليمن. ففي الوقت الذي تتعرض فيه التجارة والطاقة الإقليميتان لضغوط كبيرة بسبب الأزمة في مضيق هرمز، عادت هجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن.وقال غروندبرغ إن هذه الهجمات تهدد بزيادة انخراط اليمن في المواجهة الإقليمية الأوسع. وأشار إلى أن هجومًا صاروخيًا وقع قبل يومين فقط من جلسة المجلس أدى إلى مقتل عدد من أفراد طاقم إحدى السفن.وبالتالي أصبحت المعادلة أخطر من مجرد مواجهة يمنية داخلية بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليًا. فأي هجوم على سفينة تجارية يمكن أن يؤدي إلى رد عسكري خارجي، وأي هجوم عبر الحدود على دولة مجاورة يمكن أن يفتح جبهة جديدة، فيما قد تتحول التطورات في الخليج أو غزة أو إيران إلى محفزات مباشرة للتصعيد داخل اليمن. وهكذا يصبح اليمن معرضًا لأن يُسحب إلى حرب إقليمية لا يملك اليمنيون أنفسهم السيطرة على مسارها.

في 7 أغسطس كان مجلس الأمن قد أصدر بيانًا أعرب فيه عن القلق من تصاعد التوترات في اليمن، وشدد على ضرورة تجنب أي خطوات يمكن أن تقوض جهود السلام أو تهدد السلم والأمن الدوليين.

وجاء الموقف على خلفية تطورات شملت توترات حول مطاري صنعاء والحديدة وتصاعد المواجهة بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليًا.

وتوضح هذه التطورات أن مجلس الأمن بات يرى أن ما يحدث لم يعد مجرد احتكاكات محدودة، بل سلسلة أحداث يمكن أن تتراكم بسرعة وتدفع الأطراف إلى التخلي عن ضبط النفس الذي ساد نسبيًا منذ 2022.

البحر الأحمر يعيد تعريف الحرب اليمنية

من أهم التحولات التي طرأت على الأزمة اليمنية خلال السنوات الأخيرة أن الحوثيين أصبحوا قادرين على التأثير في حركة التجارة الدولية. فالسفن التي تمر عبر البحر الأحمر وباب المندب لا تنقل فقط البضائع من وإلى اليمن، بل تربط آسيا والخليج بأوروبا والبحر المتوسط. ولهذا يمكن لطرف عسكري داخل اليمن أن يؤثر في أسعار التأمين والشحن والطاقة، وفي قرارات شركات عالمية بعيدة آلاف الكيلومترات. وقد سبق لمجلس الأمن في يوليو أن مدد، عبر القرار 2826، آلية التقارير الشهرية المتعلقة بهجمات الحوثيين على السفن التجارية حتى يناير 2027.

أما جلسة أغسطس فقد أظهرت أن هذا الملف لم يعد منفصلًا عن مستقبل الحرب اليمنية نفسها. فإذا عادت الهجمات البحرية بوتيرة مرتفعة، يمكن أن تتوسع العمليات العسكرية الخارجية، ثم تنتقل آثارها مجددًا إلى الداخل اليمني.

بذلك أصبحت الملاحة الدولية واحدة من نقاط الضغط التي يمكن أن تعيد إشعال الحرب المحلية.

إذا كانت إحاطة غروندبرغ ركزت على الخطر العسكري والسياسي، فإن إحاطة توم فليتشر قدمت الوجه الآخر للأزمة. وقال المسؤول الإنساني الأممي إن هذه كانت الإحاطة السادسة التي يقدمها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بشأن اليمن خلال 2026، مضيفًا أنه كان يتمنى أن يستطيع الإبلاغ عن تحول إيجابي، لكن:

«مسار الأزمة الإنسانية ما يزال دون تغيير. الجوع يرتفع، والخدمات الصحية تنهار، والأسر استنفدت آخر وسائل التكيف لديها.»

وأضاف أن الصدمات المناخية والتوترات الإقليمية تتجمع الآن بطريقة يمكن أن تجعل الكارثة أعمق. وتكشف هذه العبارة مشكلة أساسية: اليمنيون لم يعودوا يدخلون أي تصعيد جديد من نقطة الصفر. بل يدخلونه بعد أكثر من عقد من الحرب والانهيار الاقتصادي والنزوح والفقر. أي أن قدرة الأسر على امتصاص صدمة جديدة أصبحت أقل بكثير مما كانت عليه في السنوات الأولى من الحرب.

أكثر من نصف السكان يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد

قال فليتشر إن أكثر من نصف سكان اليمن يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد. والأخطر أن نحو ستة ملايين شخص يواجهون مستويات «طوارئ» من الحرمان الغذائي، وهي من أعلى الأرقام عالميًا، وتقترب في بعض المناطق من ظروف المجاعة. وفي يونيو، أفادت أكثر من 60% من الأسر اليمنية بأنها لا تحصل على غذاء كاف، وهي ظاهرة شملت جميع المحافظات. وهذا يعني أن الأزمة الغذائية لم تعد ظاهرة محلية في المناطق الأكثر فقرًا أو الأكثر تضررًا من الحرب. إنها أزمة وطنية. فحتى الأسر التي لا تعيش مباشرة على خط جبهة قد تتأثر بانخفاض قيمة العملة وارتفاع أسعار الغذاء والوقود وتعطل التجارة وعدم دفع الرواتب.

لخص فليتشر الواقع اليومي لملايين اليمنيين بمجموعة خيارات شديدة القسوة:

الغذاء أم الدواء؟ التعليم أم العمل؟ البقاء أم النزوح؟

هذه ليست مجرد صورة بلاغية. فحين ينخفض دخل الأسرة إلى مستوى لا يغطي الاحتياجات الأساسية، تبدأ ما تسميه المنظمات الإنسانية «آليات التكيف». في البداية قد تقلل الأسرة من نوعية الغذاء. ثم تسحب الأطفال من المدارس للعمل. ثم تبيع الممتلكات. ثم تستدين. ثم تنتقل إلى منطقة أرخص أو تعتمد على المساعدات.وعندما يقول مكتب الأمم المتحدة إن الأسر استنفدت آخر آليات التكيف، فإن معنى ذلك أن كثيرًا منها لم يعد يملك شيئًا إضافيًا يمكن التضحية به.وهذا ما يجعل أي عودة واسعة للحرب أكثر خطورة مما كانت عليه في السابق.

النظام الصحي عند «نقطة الانهيار»

قدم فليتشر أيضًا صورة قاتمة للقطاع الصحي. وقال إن المرافق تعاني نقصًا في المواد الأساسية والكوادر، فيما تتوسع الأوبئة والأمراض.

وفي محافظة مأرب، أعلنت السلطات حالة طوارئ صحية بسبب تفشي الحصبة، مع تسجيل ثاني أعلى عدد من الحالات عالميًا خلال العام.

والقطاع الصحي اليمني لا يحتاج فقط إلى مستشفيات. إنه يحتاج إلى الوقود لتشغيل المولدات، وإلى شبكات نقل تسمح بوصول الأدوية، وإلى أجور تسمح للعاملين بالبقاء في وظائفهم، وإلى مياه نظيفة ونظام صرف صحي يمنع انتشار الأمراض. وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين الحرب والصحة. فقد لا تدمر قذيفة مستشفى بعينه، لكن انهيار العملة أو إغلاق طريق أو نقص الوقود يمكن أن يؤدي إلى النتيجة نفسها: مستشفى موجود، لكنه غير قادر على علاج المرضى.

النساء والفتيات يدفعن ثمنًا مضاعفًا

كانت أوضاع النساء والفتيات من أكثر الأجزاء إثارة للقلق في الإحاطة الإنسانية. فبحسب فليتشر، يحتاج قرابة 11 مليون امرأة وفتاة إلى دعم إنساني في اليمن. ويشمل ذلك نحو 5.5 ملايين امرأة في سن الإنجاب وأكثر من 750 ألف امرأة حامل.

وقال إن أربعة من كل خمسة نساء لا يستطعن الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية المنقذة للحياة. كما أن واحدًا فقط من كل خمسة مرافق صحية يقدم خدمات رعاية الأمومة. والنتيجة، بحسب الأرقام التي عُرضت أمام المجلس، أن ثلاث نساء يمتن يوميًا بسبب مضاعفات حمل يمكن الوقاية منها.

وهذه الأرقام تظهر أن آثار الحرب لا تقاس فقط بعدد القتلى في الجبهات. فانهيار النظام الصحي يمكن أن يقتل أشخاصًا لم يقتربوا أصلًا من ساحات القتال.

واحدة من أخطر المشاكل التي تواجه الأمم المتحدة في اليمن هي نقص التمويل. فبحسب الإحاطة الأممية، لم يكن نداء الاستجابة الإنسانية لعام 2026 ممولًا إلا بنحو 20% في منتصف أغسطس. وعندما ينخفض التمويل لا يحدث الأمر بصورة مجردة في ميزانيات الأمم المتحدة. النتيجة العملية هي:

تقليص حصص الغذاء، إغلاق عيادات، توقف برامج حماية، وتقليل عدد الأشخاص الذين تستطيع المنظمات الوصول إليهم.

وهنا توجد مفارقة مؤلمة. ففي اللحظة التي ترتفع فيها احتمالات الحرب ويتدهور فيها الأمن الغذائي، تتراجع في الوقت نفسه الموارد المالية المتاحة للاستجابة.

وقد خصص صندوق الأمم المتحدة المركزي لمواجهة الطوارئ عشرة ملايين دولار إضافية للمساعدة في الحفاظ على الخدمات المنقذة للحياة، لكن ذلك يبقى جزءًا صغيرًا من حجم الاحتياجات.

ففي أغسطس كان 73 موظفًا من موظفي الأمم المتحدة لا يزالون محتجزين تعسفيًا لدى الحوثيين، إضافة إلى موظفين سابقين وعاملين في منظمات غير حكومية ومجتمع مدني وطاقم دبلوماسي.

وطالب كل من غروندبرغ وفليتشر بالإفراج الفوري عنهم. ولا يتعلق الأمر فقط بحقوق هؤلاء الموظفين. فالاعتقالات تخلق بيئة يخشى فيها العاملون الإنسانيون من أداء عملهم، وتضعف قدرة الوكالات على توظيف السكان المحليين والوصول إلى المجتمعات الأكثر حاجة. وفي بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات، يمكن لتقييد العاملين الإنسانيين أن يتحول بحد ذاته إلى عامل يفاقم الأزمة الغذائية والصحية.

كما في ملفات أخرى في الشرق الأوسط، توجد اختلافات داخل مجلس الأمن حول كيفية قراءة التصعيد. فدول مثل الولايات المتحدة والبحرين وعدد من الدول الأوروبية تميل إلى التركيز على دور إيران في دعم الحوثيين وعلى الهجمات البحرية والصاروخية باعتبارها عاملًا رئيسيًا في زعزعة الاستقرار. أما روسيا والصين فتضعان تركيزًا أكبر على ضرورة معالجة الصراعات الإقليمية الأوسع، وتحذران من أن زيادة الضغط العسكري والاقتصادي على الحوثيين قد تؤدي إلى تصعيد أكبر بدلًا من دفعهم نحو التسوية. لكن الطرفين يلتقيان عند نقطة واحدة:

لا توجد تسوية عسكرية مستقرة لليمن.

اليمن أمام خيارين

يمكن قراءة جلسة 13 أغسطس باعتبارها تحذيرًا من اقتراب اليمن من مفترق طرق. المسار الأول هو الاستمرار في التصعيد التدريجي: هجمات على الجبهات، ثم ردود عسكرية، ثم هجمات بحرية، ثم تدخلات إقليمية، وصولًا إلى حرب أوسع.

أما المسار الثاني فهو محاولة استخدام اللحظة الحالية للعودة إلى مفاوضات يمنية شاملة قبل أن تنهار التهدئة التي استمرت بصورة أو بأخرى منذ 2022. والمشكلة أن نافذة الخيار الثاني قد لا تبقى مفتوحة طويلًا.

VOS – Voice of Syria | متابعة قضايا الأمم المتحدة والشرق الأوسط

Issam Khoury

ByIssam Khoury

عصام خوري صحفيّ وروائيّ مقيمٌ بنيويورك،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *