«الماسونية بلا أساطير».. كتاب عربي يحاول إخراج الماسونية من عالم المؤامرة إلى اختبار الوثيقة

VOS – ثقافة وكتب

قلّما أثارت مؤسسة أو حركة اجتماعية هذا القدر من الجدل الذي أثارته الماسونية. فمنذ قرون، اختلط تاريخها بالرموز والطقوس والسرية، ثم تراكمت حولها روايات تتحدث عن النفوذ السياسي، والحكومات الخفية، والسيطرة على المال والإعلام، وصولًا إلى نظريات مؤامرة يصعب في كثير من الأحيان معرفة أين تنتهي فيها الوثيقة وأين تبدأ المخيلة.

في كتابه «الماسونية بلا أساطير: تاريخ نقدي مقارن للماسونيات وأساطيرها: المؤسسات والطقوس والنفوذ من الحرفة إلى العصر الرقمي»، الصادر في طبعة منقحة ومصورة في سبتمبر/أيلول 2026، يحاول المؤلف علي بكي الاقتراب من هذا الملف بمنهج مختلف: لا الدفاع عن الماسونية، ولا إدانتها مسبقًا، وإنما إخضاع الادعاءات المتعلقة بها لاختبار تاريخي ووثائقي. ويعرّف الكتاب نفسه بوصفه عملًا مستقلًا في التاريخ الاجتماعي وتاريخ الأفكار والمؤسسات.

ينطلق الكتاب من فكرة أساسية: الحديث عن «الماسونية» بصيغة المفرد قد يكون مضللًا، لأن ما يسمى ماسونية ليس، بحسب الدراسة، جهازًا عالميًا واحدًا يخضع لقيادة مركزية واحدة، وإنما مجموعة من المحافل والطاعات والتنظيمات التي تختلف في بنيتها وشروط العضوية وعلاقتها بالدين والسياسة، بل وفي اعتراف بعضها ببعض. ولذلك يفضّل الكتاب الحديث عن «الماسونيات» بدل التعامل معها تلقائيًا باعتبارها كتلة واحدة.

وهنا يظهر السؤال المركزي الذي يحاول الكتاب الإجابة عنه: متى يتحول الانتماء إلى شبكة ماسونية إلى قدرة فعلية على التأثير، ومتى تتحول صورة هذا النفوذ في المخيلة العامة إلى شيء أكبر مما تسمح به الأدلة؟

يرفض المؤلف إجابتين متناقضتين ومبسّطتين: الأولى ترى الماسونية حكومة خفية تدير العالم من وراء الستار، والثانية تتعامل مع كل حديث عن نفوذ ماسوني باعتباره مجرد وهم أو نظرية مؤامرة. فالكتاب يرى أن التاريخ أكثر تعقيدًا من الطرفين: توجد حالات موثقة مارست فيها شبكات ذات صلة ماسونية نفوذًا حقيقيًا، وفي المقابل توجد روايات شهيرة عن الماسونية بُنيت على وثائق مزيفة أو استنتاجات لا تسندها الأدلة.

ولشرح هذه الفكرة يبدأ المؤلف بمقارنتين لافتتين. الأولى هي قضية المحفل الإيطالي P2 – بروباغندا دوي، التي تحولت إلى قضية سياسية وقانونية حقيقية، وارتبطت بوثائق وأسماء وشبكات نفوذ وتحقيق برلماني. أما الثانية فهي قصة ليو تاكسيل و«ديانا فوغان» في القرن التاسع عشر؛ وهي قصة عن مؤامرة ماسونية شيطانية انتهى صاحبها نفسه إلى إعلان أنها خدعة من صنعه. بالنسبة للكتاب، المسافة بين هاتين الحالتين تلخص المشكلة كلها: لا يجوز إنكار المؤامرة عندما توجد أدلتها وآلياتها، كما لا يجوز اختراعها عندما لا يقدم الادعاء سوى المزيد من الحكايات.

ويمتد العمل على نطاق واسع؛ فهو يتتبع الانتقال من تنظيمات البنّائين والحرفة إلى الماسونية الحديثة، ثم انتشار المحافل في أوروبا والأمريكيتين والهند وشرق آسيا وإفريقيا، وصولًا إلى الدولة العثمانية والعالم العربي وإيران. وبعد التاريخ الخارجي، ينتقل إلى داخل المؤسسة نفسها، فيبحث الطقوس والدرجات والحكم والاعتراف بين المحافل، ثم علاقة الماسونية بالدين والباطنية، والنساء والطبقة والعرق والاستعمار وشبكات النفوذ. وبعد ذلك يخصص بابًا كاملًا لما يسميه «مختبر الأساطير»، قبل أن يصل إلى الماسونية المعاصرة والسرية في العصر الرقمي.

وللقارئ العربي أهمية خاصة في هذا العمل. فالكتاب يناقش حضور المحافل في الدولة العثمانية ومصر وبلاد الشام والمغرب الكبير ضمن بيئة تاريخية امتزجت فيها مشاريع التحديث والإصلاح والنهضة والقومية مع النفوذ الأوروبي والاستعمار. ويحذر هنا من تعميمَين متقابلَين: اعتبار كل محفل أداة استعمارية يتجاهل الفاعلين المحليين، بينما فصل المحافل تمامًا عن البنية الإمبراطورية يتجاهل الظروف التاريخية التي ساعدت على انتشارها.

ومن أكثر جوانب الكتاب إثارة للاهتمام منهجيته في التعامل مع الادعاءات. فهو لا يقسم المعلومات ببساطة إلى «صحيح» و«كاذب»، وإنما يستخدم سلّمًا من خمس درجات: ثابت، راجح، مختلف فيه، غير مثبت، ومفنّد. وقد تكون الوثيقة نفسها موجودة بالفعل، بينما يكون الاتهام الوارد داخلها غير مثبت؛ أي أن إثبات وجود النص لا يعني تلقائيًا إثبات صحة ما يقوله النص.

وهذه النقطة أساسية لفهم الكتاب، لأنه يتعامل مع الماسونية باعتبارها في الوقت نفسه تاريخ مؤسسات وتاريخ صورة عامة. فالكاتب يقول إن العمل هو، بمعنى ما، «سيرة مزدوجة»: سيرة الماسونيات كما بنت مؤسساتها، وسيرة الخوف الذي بنى لها صورة أخرى في المخيلة العامة. وبين الاثنين تقع الوثائق الحقيقية، والوثائق المزيفة، والرموز، والدعاية، والمصالح السياسية، والسرية، والمبالغة الشعبية.

ولا ينتهي الكتاب إلى تبرئة الماسونية أو إدانتها بالجملة. ففي خاتمته يؤكد أن التاريخ يتضمن حالات حقيقية من إساءة استخدام الشبكات والنفوذ، وفي الوقت نفسه يتضمن قصصًا شهيرة بنيت على التزوير أو النسب غير الموثق أو القفز في الاستنتاج. ولذلك يرى أن الاكتفاء بالنصف الأول يؤدي إلى شيطنة الماسونية، بينما تجاهله يؤدي إلى تبرئة آلية لا تقل اختزالًا.

كما يعترف المؤلف صراحة بحدود مشروعه: فالكتاب لا يدّعي قياس حجم النفوذ الماسوني في العالم، ولا نسبة المؤمنين بنظريات المؤامرة، كما أن التغطية الوثائقية ليست متساوية بين البلدان واللغات، ولم تُجرَ ضمن المشروع عينة سكانية ممثلة أو مقابلات شاملة. وهذه نقطة مهمة لأنها تجعل الكتاب يقدم نفسه كبحث مقارن ومنهج لفحص الادعاءات، لا كـ«الكلمة الأخيرة» في تاريخ الماسونية.

وفي النهاية، ربما تكمن القيمة الأساسية لـ «الماسونية بلا أساطير» في أنه لا يطلب من القارئ أن يحب الماسونية أو يكرهها، ولا أن يصدق الرواية الرسمية للمحافل أو الروايات المعادية لها. بل يطلب منه شيئًا أكثر صعوبة: أن يسأل عن الوثيقة، ومصدرها، ومن كتبها، وما الذي تثبته فعلًا، وما الذي لا تستطيع إثباته.

ولهذا يختم الكتاب بفكرة تلخص مشروعه كله: بعد إسقاط الأسطورة لا يختفي التاريخ، بل يصبح أكثر تعقيدًا وثراءً؛ ويبقى على القارئ أن يزن كل ادعاء بحجمه، وأن يحافظ على حقه في الشك من دون أن يحوّل الشك نفسه إلى مبرر للتلفيق.

الكتاب: الماسونية بلا أساطير
المؤلف: علي بكي
الطبعة: سبتمبر/أيلول 2026
البنية: تسعة أبواب، 36 فصلًا، إضافة إلى ملاحق منهجية ومرجعية وببليوغرافيا وفهارس تحليلية.

VOS Newsroom

ByVOS Newsroom

«VOS Voice of Syria منصة إعلامية مستقلة مقرها نيويورك، تنتج الأخبار والتقارير والتحليلات والمقابلات والبرامج المرئية حول سوريا والشرق الأوسط والشؤون الدولية.»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *