القرار 2826 يضع البحر الأحمر مجددًا أمام مجلس الأمن: الملاحة الدولية بين تهديدات الحوثيين وصراع القوى الكبرى

Issam Khoury

ByIssam Khoury

15 يوليو 2026

اعتمد مجلس الأمن الدولي في 14 يوليو/تموز 2026 القرار رقم 2826 بشأن أمن الملاحة في البحر الأحمر، في خطوة أبقت هجمات الحوثيين على السفن التجارية ضمن المتابعة المنتظمة للمجلس، ومددت حتى 15 يناير/كانون الثاني 2027 مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم تقارير شهرية عن أي هجمات جديدة تستهدف السفن التجارية والملاحة الدولية.

وجاء القرار خلال الجلسة رقم 10194 لمجلس الأمن، وحصل على 13 صوتًا مؤيدًا من دون أي صوت معارض، فيما امتنعت الصين وروسيا عن التصويت. وقدمت الولايات المتحدة واليونان مشروع القرار.

حسب مراسلنا عصام خوري، القرار قصير في مضمونه التنفيذي، فإن دلالته السياسية تتجاوز مسألة تمديد آلية تقنية للتقارير. فالقرار يؤكد أن أمن البحر الأحمر وباب المندب ما يزال جزءًا من جدول أعمال الأمن الدولي، وأن المجلس لا يعتبر التهديد الذي تعرضت له الملاحة التجارية خلال السنوات الماضية قد انتهى، حتى مع تراجع الهجمات المباشرة على السفن خلال الأشهر الأخيرة، كما كشف النقاش الذي أعقب التصويت عن انقسام أوسع داخل مجلس الأمن حول أسباب الأزمة، وحدود الرد العسكري، وعلاقة البحر الأحمر بالصراع في غزة واليمن وإيران، وهو ما جعل القرار نقطة تقاطع بين أمن التجارة العالمية والسياسة الإقليمية وصراع النفوذ الدولي في الشرق الأوسط.

ماذا قرر مجلس الأمن فعليًا؟

القرار 2826 لا ينشئ مهمة عسكرية جديدة ولا يفرض عقوبات جديدة، كما لا يمنح أي دولة تفويضًا باستخدام القوة في اليمن أو البحر الأحمر. ما يفعله بصورة مباشرة هو تمديد الطلب الوارد في الفقرة العاشرة من القرار 2722 لعام 2024، والذي يطلب من الأمين العام تقديم تقارير شهرية إلى مجلس الأمن بشأن أي هجمات حوثية جديدة على السفن التجارية والملاحة في البحر الأحمر. وكان مجلس الأمن قد اعتمد القرار 2722 في 10 يناير/كانون الثاني 2024، مطالبًا الحوثيين بوقف هجماتهم فورًا على السفن التجارية. ومنذ ذلك الحين جرى تمديد آلية التقارير عدة مرات، وكان آخر تمديد سابق في يناير 2026 بموجب القرار 2812، قبل أن يأتي القرار الجديد ليبقي الآلية قائمة حتى منتصف يناير 2027. ويعني ذلك أن الأمين العام سيواصل تزويد المجلس بصورة منتظمة بمعلومات حول التطورات البحرية، بالاستناد إلى بيانات جهات دولية بينها المنظمة البحرية الدولية. والغرض من هذه التقارير ليس مجرد تسجيل الحوادث، بل إعطاء أعضاء المجلس أساسًا معلوماتيًا يمكنهم الاعتماد عليه عند مناقشة أي تصعيد جديد أو اتخاذ قرارات لاحقة.

من أكثر جوانب القرار إثارة للاهتمام أن مجلس الأمن مدّد آلية الرقابة في وقت لم تكن فيه الهجمات على السفن التجارية بالمستوى نفسه الذي شهدته سنوات سابقة.

فبحسب المعلومات التي سبقت التصويت، لم تسجل آلية المتابعة الأممية هجمات جديدة على السفن التجارية في البحر الأحمر منذ أواخر 2025. وفي 10 يوليو، أفاد الأمين العام، استنادًا إلى معلومات من المنظمة البحرية الدولية، بعدم تسجيل حوادث جديدة خلال الفترة التي غطاها تقريره الأخير، لكن غالبية أعضاء المجلس اعتبرت أن غياب الهجمات لا يعني اختفاء التهديد.

وبحسب Security Council Report، استند المؤيدون للتمديد إلى استمرار التهديدات الحوثية بإعادة استهداف الملاحة، وإلى ارتفاع مستوى التوتر الإقليمي، وهو ما جعل استمرار آلية الرصد مفيدًا من وجهة نظرهم. ومن هنا يمكن قراءة القرار على أنه إجراء وقائي أكثر منه استجابة لحادث محدد، فالهدف ليس انتظار تعرض سفينة لهجوم جديد قبل أن يعود الملف إلى المجلس، بل الحفاظ على منظومة متابعة دائمة تسمح بتحليل أي تغيير في الوضع بسرعة.

باب المندب ممر لا يخص اليمن وحده

أهمية القرار تنبع أيضًا من المكان الذي يتناول، فالبحر الأحمر وباب المندب يشكلان أحد أهم الممرات البحرية التي تربط آسيا والخليج والمحيط الهندي بالبحر المتوسط وأوروبا عبر قناة السويس.

وأي اضطراب طويل الأمد في هذا الطريق يمكن أن يدفع شركات الشحن إلى تحويل سفنها حول رأس الرجاء الصالح، ما يزيد زمن الرحلات وتكاليف الوقود والتأمين والنقل.

ولهذا لا ينظر مجلس الأمن إلى الهجمات على السفن باعتبارها نزاعًا محليًا يمنيًا فقط.

فأمن الملاحة يرتبط مباشرة بسلاسل توريد الغذاء والطاقة والسلع والمواد الخام، وبالتالي يمكن أن يؤثر في اقتصادات دول بعيدة آلاف الكيلومترات عن اليمن.

وقد أكدت اليونان بعد التصويت أن البحر الأحمر يمثل أحد أكثر الممرات البحرية أهمية للشحن الدولي وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية.

كما اعتبرت بنما أن القضية أوسع من سيناريو أمني محدد، لأنها تمس حرية الملاحة وسلاسل التجارة الدولية ككل.

حرية الملاحة جزء من الأمن الدولي

ركزت الولايات المتحدة، وهي أحد مقدمي مشروع القرار، على أن حرية الملاحة مسألة تتجاوز حماية السفن منفردة. وقالت المندوبة الأميركية بعد التصويت إن التطورات الأخيرة أظهرت أن حرية الملاحة ضرورية للسلام والازدهار الدوليين، وربطت بين تهديد الملاحة وبين سلوك إيران والحوثيين.

كما شددت على أن الجهات التي تملك الصواريخ أو الألغام البحرية لا يمكن أن تحدد بصورة أحادية من يحق له استخدام المياه الدولية أو ممارسة التجارة. وكانت الرسالة الأميركية الأساسية أن استمرار التقارير الشهرية يجب أن يبقي الضغط السياسي والدولي قائمًا، وألا تتحول فترات الهدوء المؤقت إلى سبب لإخراج الملف من جدول أعمال المجلس.

وخلال النقاش، أثارت واشنطن أيضًا قضية المكونات ذات الاستخدام المزدوج التي يمكن توظيفها في تطوير القدرات الصاروخية والمسيّرات. واستندت إلى بيانات أممية قالت إنها تظهر أن نسبة كبيرة من المواد المقيدة أو المحظورة التي ضُبطت بين يناير 2025 وأبريل 2026 كانت ذات منشأ صيني، وهو اتهام رفضته بكين بشدة.

الصين: القرار لا يجيز الحرب على اليمن

الصين، التي امتنعت عن التصويت، قدمت قراءة مختلفة للمشكل، فهي أقرت بأهمية البحر الأحمر باعتباره طريقًا رئيسيًا للتجارة الدولية، وأكدت ضرورة احترام حق السفن التجارية في الملاحة وفق القانون الدولي.

لكن بكين شددت في الوقت نفسه على أن القرار 2722 والقرارات التي مددت آلية التقارير لم تفوض أي دولة باستخدام القوة ضد اليمن.

وقالت الصين إن معالجة أزمة البحر الأحمر يجب أن تقوم على احترام سيادة اليمن وسلامة أراضيه، منتقدة العمليات العسكرية الأميركية السابقة في اليمن، والتي ترى أنها أضرت بالعملية السياسية وزادت التوتر. وهذه النقطة القانونية بالغة الأهمية. فوجود قرار من مجلس الأمن يدين الهجمات أو يطلب تقارير عنها لا يعني تلقائيًا أن المجلس منح تفويضًا باستخدام القوة العسكرية. ولذلك حذرت الصين من تفسير هذه القرارات بطريقة تمنح شرعية لعمليات عسكرية لم يصرح بها المجلس.

كما ربطت بكين الأزمة بما وصفته بضرورة خفض التصعيد في المنطقة الأوسع، معتبرة أن القضية الفلسطينية والحرب في غزة والتوترات في الخليج تؤثر مباشرة في أمن البحر الأحمر.

روسيا: هل ما زالت آلية التقارير ضرورية؟

روسيا امتنعت هي الأخرى عن التصويت، لكن حجتها كانت مختلفة جزئيًا، فموسكو رأت أن استمرار التقرير الشهري لا يقدم قيمة إضافية كبيرة، خصوصًا مع غياب هجمات على السفن التجارية لفترة طويلة، وقالت المندوبة الروسية إن المياه القريبة من اليمن بقيت هادئة نسبيًا منذ أشهر، معتبرة أن مجلس الأمن يجب أن يوجه اهتمامًا أكبر نحو الملفات التي يمكن أن تقود إلى تسوية سياسية داخل اليمن، ودعت موسكو إلى إعطاء دفعة جديدة للمفاوضات اليمنية الداخلية تحت قيادة المبعوث الأممي، بدل الاكتفاء بإدارة ملف الملاحة بصورة منفصلة عن جذور النزاع.

وبذلك يظهر اختلاف واضح في فلسفة التعامل مع القضية:

بالنسبة إلى الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، استمرار المراقبة ضروري لأن التهديد قد يعود في أي وقت. أما روسيا فترى أن استمرار آلية الرصد رغم الهدوء قد يحول المجلس إلى جهة تدير أعراض النزاع بدل البحث عن حل سياسي له.

كان الموقف البحريني من أبرز المواقف العربية خلال الجلسة، فقد ذكّر ممثل البحرين بالتهديدات الحوثية المتعلقة بإغلاق باب المندب واستهداف منشآت وسفن سعودية، وربط هذه التهديدات مباشرة بأمن المنطقة والملاحة البحرية. وهذه النقطة توضح أن مسألة البحر الأحمر لا تتعلق فقط بالسفن العابرة بين آسيا وأوروبا. فهي تمس أيضًا الأمن المباشر لدول الخليج وشبه الجزيرة العربية، خصوصًا عندما تتقاطع الهجمات البحرية مع الصواريخ والمسيّرات والتهديدات ضد منشآت الطاقة والموانئ.

لهذا يصبح باب المندب جزءًا من منظومة أمنية أوسع تشمل البحر الأحمر وخليج عدن والخليج العربي ومضيق هرمز.

من أبرز التحولات التي أظهرتها أزمة البحر الأحمر أن الحوثيين لم يعودوا مجرد طرف مسلح في النزاع الداخلي اليمني.

فالقدرة على تهديد السفن التجارية أعطتهم تأثيرًا يتجاوز حدود اليمن. واستهداف طريق بحري عالمي يعني أن جماعة مسلحة تسيطر على جزء من دولة تستطيع التأثير في تكاليف التأمين والشحن وأسعار السلع وقرارات شركات عالمية كبرى. وهذا التحول يفسر جزءًا من إصرار مجلس الأمن على إبقاء الملف تحت المتابعة. فالقضية لم تعد تتعلق فقط بمن يسيطر على صنعاء أو الحديدة، بل أصبحت مرتبطة بقدرة طرف غير حكومي على التأثير في نظام التجارة الدولي. وفي الوقت نفسه، يرى الحوثيون أنهم يستخدمون الضغط البحري في سياق سياسي وإقليمي أوسع، خصوصًا القضية الفلسطينية والعلاقة مع إسرائيل والولايات المتحدة. وهنا تكمن واحدة من أكبر صعوبات الملف: الملاحة التجارية الدولية أصبحت مرتبطة بصراعات سياسية لا تقع أصلًا في البحر الأحمر.

في تحليلنا للقرار نرى أن القرار يستهدف بصورة مباشرة مراقبة الهجمات الحوثية على السفن، لكنه من الناحية الأوسع يقوم على مبدأ حماية حرية الملاحة، وهذا هو السبب في أن دولًا ذات مواقف مختلفة تمامًا بشأن حرب غزة أو اليمن استطاعت دعم استمرار التقارير. فالخلاف يمكن أن يكون عميقًا حول أسباب التصعيد أو شرعية العمليات العسكرية، لكن هناك اتفاقًا أوسع داخل المجلس على أن السفن التجارية والممرات الدولية لا ينبغي أن تصبح أهدافًا في الصراعات الإقليمية.

وهذا يفسر نتيجة التصويت: 13 دولة أيدت، ولم تصوت أي دولة ضد القرار، بينما اكتفت روسيا والصين بالامتناع.

المناقشة التي أعقبت التصويت أظهرت بوضوح أن البحر الأحمر لا يمكن عزله بالكامل عن باقي الشرق الأوسط. الصين ربطت معالجة الأزمة بخفض التصعيد في غزة والمنطقة، وروسيا تحدثت عن ضرورة التركيز على التسويات السياسية الإقليمية، فيما ربطت الولايات المتحدة الخطر بالحوثيين وإيران.

وبالتالي توجد قراءتان متنافستان:

الأولى تقول إن الهجوم على سفينة تجارية انتهاك مستقل يجب التعامل معه بصفته تهديدًا للملاحة، مهما كانت أسبابه السياسية.

والثانية تقول إن معالجة الهجمات دون معالجة الحروب والتوترات التي تغذيها لن تحقق استقرارًا طويل الأمد.

والواقع أن الرؤيتين لا تتعارضان بالكامل.

فحماية السفن تتطلب إجراءات أمنية وقانونية فورية، لكن الاستقرار الدائم للبحر الأحمر يتطلب في الوقت نفسه تسوية أوسع للنزاع اليمني وتقليل مستوى المواجهة الإقليمية.

ماذا يعني القرار بالنسبة لليمن؟

بالنسبة لليمن، يحمل استمرار إدراج ملف البحر الأحمر على جدول مجلس الأمن نتائج مزدوجة.

من جهة، يزيد الضغط الدولي على الحوثيين ويجعل أي هجوم جديد موثقًا ضمن مسار أممي منتظم.

ومن جهة أخرى، قد يؤدي التركيز المفرط على الأمن البحري إلى اختزال الأزمة اليمنية في مسألة السفن والمضائق، رغم أن البلاد ما تزال تعاني أزمة سياسية وإنسانية واقتصادية أعمق بكثير.

ولهذا شددت روسيا ودول أخرى على ضرورة إعادة الزخم إلى العملية السياسية اليمنية.

ومن المفارقات أن يوم اعتماد القرار نفسه شهد تحركات دبلوماسية للمبعوث الأممي هانس غروندبرغ في مسقط، حيث أجرى اجتماعات مع مسؤولين عمانيين وكبير مفاوضي الحوثيين محمد عبد السلام، ودعا الأطراف إلى الانخراط في مسارات سياسية وأمنية واقتصادية للوصول إلى تسوية شاملة.

يمكن تلخيص دلالة القرار 2826 في فكرة أساسية:

مجلس الأمن يرى أن الهدوء في البحر الأحمر لا يزال هشًا، وأن غياب الهجمات لفترة لا يكفي لإعلان انتهاء الخطر.

فالقدرات العسكرية موجودة، والتهديدات لم تختف، والصراع اليمني لم يحل، والتوتر الإقليمي ما يزال قادرًا على إعادة إشعال الممر البحري في أي وقت. لكن القرار يكشف أيضًا حدود مجلس الأمن. فالمجلس يستطيع طلب التقارير ومراقبة الحوادث وإدانة الهجمات، لكنه لا يستطيع بمفرده حل النزاعات السياسية التي تقف خلفها. ولهذا فإن مستقبل أمن البحر الأحمر سيعتمد على ثلاثة مستويات مترابطة:

حماية حرية الملاحة، التوصل إلى تسوية سياسية داخل اليمن، وخفض مستوى الصراع الإقليمي الذي يربط غزة وإيران والخليج والبحر الأحمر في دائرة واحدة من التصعيد.

ومن هنا فإن القرار 2826 ليس مجرد تمديد إداري لتقرير شهري.

إنه إشارة إلى أن باب المندب والبحر الأحمر تحولا إلى جزء ثابت من معادلة الأمن الدولي، وأن أي صراع جديد في المنطقة يمكن أن ينتقل خلال ساعات من ساحة الحرب المحلية إلى طرق التجارة التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي بأكمله.

VOS – Voice of Syria | متابعة قضايا الأمم المتحدة والشرق الأوسط

Issam Khoury

ByIssam Khoury

عصام خوري صحفيّ وروائيّ مقيمٌ بنيويورك،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *