فتح مجلس الأمن الدولي في 25 أغسطس/آب 2026 نقاشًا رفيع المستوى تحت عنوان «الغذاء تحت النار: دور مجلس الأمن في التخفيف من الأزمات الغذائية العالمية والمحلية»، في جلسة عكست تحولًا متزايدًا في فهم العلاقة بين الحرب والجوع.
فلم يعد انعدام الأمن الغذائي يُعامل فقط كنتيجة إنسانية للنزاعات، بل أصبح يُنظر إليه كجزء من ديناميات الحرب نفسها: الحرب تدمر الغذاء، والجوع بدوره يدفع إلى النزوح والانهيار الاجتماعي والتجنيد والعنف، ثم يعيد إنتاج النزاع من جديد. وفق مراسلنا في الأمم المتحدة عصام خوري، جاءت الجلسة رقم 10213 بمبادرة من الدنمارك التي ترأست مجلس الأمن خلال أغسطس، واستندت إلى مذكرة مفاهيمية حملت الرقم S/2026/650. وشارك فيها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والقائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو، وممثلون عن منظمات إنسانية ودول أعضاء وغير أعضاء في مجلس الأمن.
وكانت الرسالة المركزية للجلسة واضحة:
الجوع في مناطق الحرب لم يعد مجرد أثر جانبي يمكن التعامل معه بعد توقف القتال، بل أصبح قضية أمن دولي تستدعي التدخل قبل أن تتحول الأزمات الغذائية إلى مجاعات وانهيارات سياسية واجتماعية.
افتتح الأمين العام أنطونيو غوتيريش النقاش بتحذير مباشر:
«أنظمة الغذاء الحيوية، وحياة وسبل عيش الناس التي تعتمد عليها، تتعرض للهجوم.»
وأوضح أن النزاعات اليوم لا تقتصر على قتل المدنيين أو تدمير المدن، بل تمتد إلى المزارع والأسواق ومخازن الحبوب وشبكات المياه والموانئ وطرق الإمداد.
وأشار إلى أن المزارعين في الساحل يُجبرون على ترك أراضيهم بسبب القتال، والأسواق في السودان تعرضت للطائرات المسيّرة والصواريخ، فيما مُنعت المساعدات الإنسانية من الوصول إلى محتاجين في مناطق تمتد من غزة إلى مالي وميانمار والسودان.
وبحسب غوتيريش، شهد عام 2025 واحدًا من أعلى مستويات الصراعات المسلحة منذ الحرب العالمية الثانية، وفي الوقت نفسه واجه ما لا يقل عن 266 مليون شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي.
والأكثر إثارة للقلق أن عام 2025 شهد للمرة الأولى خلال هذا القرن تأكيد وجود مجاعتين في الوقت نفسه، في السودان وغزة.
ووصف غوتيريش ذلك بأنه «معلم مخزٍ» في تاريخ الأزمات الإنسانية الحديثة.
أكد الأمين العام أن أحدث تقارير «بؤر الجوع» التابعة للأمم المتحدة حددت 13 منطقة رئيسية مهددة بتدهور حاد في الأمن الغذائي، وكان الصراع والعنف المحرك الأساسي في 12 منها. وهذه الأرقام تغير طريقة النظر إلى الجوع. فالفقر والجفاف وتغير المناخ وارتفاع الأسعار كلها أسباب مهمة، لكن في عدد كبير من أسوأ الأزمات الغذائية في العالم أصبح العامل الحاسم هو الحرب. عندما تُغلق الطرق، ويهرب المزارعون، وتُدمر أنظمة الري، وتتعطل الأسواق، ويمنع وصول الوقود والأسمدة، فإن النظام الغذائي بأكمله يبدأ بالانهيار، ثم تبدأ المرحلة الثانية:
الجوع يدفع الأسر إلى ترك منازلها، ويزيد الهجرة والنزوح، ويخلق منافسة على الموارد المحدودة، ويضعف الدولة، ويوفر للجماعات المسلحة بيئة مناسبة لتجنيد الشباب.
ولهذا قال غوتيريش إن العلاقة بين الحرب والجوع تعمل في الاتجاهين:
الصراع ينتج الجوع، والجوع بدوره ينتج مزيدًا من الهشاشة والصراع.
القرار 2417: إطار موجود لكن التنفيذ ضعيف
كان القرار 2417 لعام 2018 محورًا أساسيًا في المناقشة. ويعد هذا القرار من أهم القرارات التي أصدرها مجلس الأمن في العلاقة بين الحرب والغذاء. فالقرار يعترف رسميًا بأن النزاعات المسلحة يمكن أن تؤدي إلى المجاعة، ويدين استخدام تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، كما يشدد على ضرورة حماية المدنيين والعاملين الإنسانيين والمنشآت الضرورية لبقائهم، لكن بعد ثماني سنوات على اعتماده، كانت نبرة الجلسة واضحة:
المشكلة ليست في غياب القانون، بل في عدم تطبيقه.
دعا غوتيريش مجلس الأمن إلى استخدام القرار بصورة أكثر فعالية، وعدم انتظار إعلان المجاعة رسميًا قبل التحرك.
وقال إن إشارات الخطر المبكرة يجب أن تؤدي إلى تحرك مبكر، كما دعا إلى حماية كامل منظومة الغذاء، وليس فقط شاحنات المساعدات. وهذا يشمل حماية المزارع، المحاصيل، الحيوانات، شبكات المياه، الأسواق، المستودعات، الموانئ وطرق النقل والإمداد.
الغذاء ليس فقط كيس مساعدات
هذه النقطة كانت من أهم عناصر جلسة «الغذاء تحت النار» فالاستجابة الإنسانية التقليدية عادة ما تبدأ عندما يجوع السكان، فتدخل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لتوزيع الغذاء.لكن النقاش الجديد يقول إن التدخل في تلك المرحلة قد يكون متأخرًا أصلًا. فإذا دمرت الحرب أرض المزارع، ومنع وصول البذور والأسمدة، وضربت شبكات المياه، وأغلقت الأسواق، فإن المجتمع يتحول تدريجيًا من مجتمع منتج للغذاء إلى مجتمع يعتمد بالكامل على المساعدات الخارجية. وهذا يخلق حالة من الاعتماد قد تستمر سنوات. لذلك دعا غوتيريش إلى حماية النظام الغذائي بالكامل منذ بداية النزاع.
فالهدف ليس فقط منع الناس من الموت جوعًا اليوم، وإنما ضمان قدرتهم على إنتاج طعامهم غدًا.
قدم كارل سكاو، القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، صورة أكثر قتامة، وقال إن عدد الأشخاص الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد ارتفع إلى نحو ثلاثة أضعاف مقارنة بما كان عليه قبل ست سنوات، بينما تراجع التمويل المتاح للعمليات الإنسانية. ووصف ما يحدث بأنه تسارع في «الدائرة الخبيثة بين الصراع والجوع».
وأشار إلى تجربة الصومال، حيث تحدث إلى أسر اضطرت إلى ترك مزارعها بعد وصول جماعات مسلحة وفرضها ضرائب على الزراعة. وكانت النتيجة أن الأسرة لم تعد تنتج طعامًا أو تحصل على دخل، بل أصبحت تعيش في مخيم للنازحين. ولخص سكاو خيارات الأسر في المناطق التي تنهار فيها أنظمة الغذاء بطريقة شديدة القسوة:
«إما أن تجوع، أو تهاجر، أو تتمرد.»
وهذا هو السبب في أن الجوع لا يمثل مشكلة إنسانية فقط، بل يصبح قضية أمنية؛ لأن الجماعات المسلحة تستطيع استغلال الشباب الذين فقدوا الغذاء والعمل والتعليم.
غزة: المثال الأكثر وضوحًا أمام مجلس الأمن
احتلت غزة مساحة كبيرة من المناقشة. حيث قال سكاو إنه زار القطاع خلال الفترة التي أعلنت فيها المجاعة في العام السابق، ووصف المشهد بأنه أشبه بـ «موقع تصوير لفيلم ديستوبي»: ركام في كل مكان وأطفال يبحثون عن الغذاء. لكنه عاد إلى غزة في يناير 2026 بعد وقف إطلاق النار، ولاحظ أن تحسن دخول الغذاء أدى إلى تراجع خطر المجاعة وبدء بعض الأسر بمحاولات استعادة حياتها. وروى أنه التقى عائلة عادت إلى منزلها المدمر جنوب مدينة غزة وحاولت إعادة زراعة كرم عنب وسط الركام.
بالنسبة إلى برنامج الأغذية العالمي، كانت هذه الحالة دليلًا مهمًا:
الوضع الغذائي يمكن أن يتحسن بسرعة عندما يتوقف القتال ويُسمح بدخول المساعدات واستعادة النشاط الاقتصادي.
لكن سكاو حذر من أن تلك المكاسب هشة جدًا، وقال إن المجتمع الدولي لا يستطيع أن يخذل سكان غزة مرة أخرى بعدما بدأت الظروف تتحسن جزئيًا.
كان اليمن المثال الشرق أوسطي الثاني الأكثر حضورًا في الجلسة. قالت بيرين بينوا من منظمة Action Against Hunger إن أكثر من نصف الأطفال دون الخامسة في اليمن، أي نحو 2.2 مليون طفل، يتوقع أن يعانوا سوء التغذية الحاد خلال 2026.
كما تواجه نحو 1.3 مليون امرأة حامل أو مرضعة مستويات خطيرة من سوء التغذية. لكن اللافت في الإحاطة لم يكن الأرقام فقط، بل العلاقة بين الحرب والتجارة الدولية. فقد ارتفعت تكاليف النقل البحري للمساعدات الإنسانية المتجهة إلى اليمن بأكثر من 300%، بينما أصبحت الشحنات تواجه تأخيرات كبيرة. وهذا التأخير بالنسبة لطفل يعاني سوء التغذية ليس مسألة لوجستية عادية.
فبحسب الإحاطة، يمكن أن تبدأ علامات سوء التغذية الحاد خلال أسبوعين فقط من فقدان الغذاء الكافي، وبعد ثلاثة أسابيع قد يصبح الطفل عرضة لأمراض بسيطة تستطيع قتله بسبب ضعف جسمه. وهكذا يتحول اضطراب طريق بحري على بعد مئات أو آلاف الكيلومترات إلى مسألة حياة أو موت لطفل في قرية يمنية.
البحر الأحمر وهرمز: الحرب تنتقل إلى سعر الخبز
واحدة من أكثر أفكار الجلسة أهمية بالنسبة إلى الشرق الأوسط كانت أن الصراع لا يحتاج إلى الوصول إلى حقل زراعي حتى ينتج أزمة غذائية. فاستهداف سفينة أو إغلاق مضيق يمكن أن يؤدي في النهاية إلى ارتفاع سعر الخبز في دولة بعيدة. أشار غوتيريش إلى أن مضيق هرمز يحمل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية وقرابة ثلث تجارة الأسمدة العالمية. وأي تعطيل لهذه الحركة يرفع أسعار الوقود والأسمدة والنقل.
كما أشار إلى أن الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر تزيد الضغط على سلاسل توريد الغذاء والسلع الأساسية. بالنسبة للدول التي تعتمد على استيراد الغذاء، يعني ارتفاع أسعار النفط ارتفاع تكاليف الزراعة والنقل.ويعني ارتفاع سعر الأسمدة انخفاض قدرة المزارعين على الإنتاج. ويعني ارتفاع تكاليف الشحن ارتفاع أسعار الغذاء للمستهلك النهائي.
ولهذا تصبح حرية الملاحة في هرمز وباب المندب جزءًا من الأمن الغذائي العالمي وليس ملفًا تجاريًا أو عسكريًا فقط.
أكثر من 9300 هجوم على أنظمة الغذاء
قدمت منظمة Action Against Hunger رقمًا يكشف حجم المشكلة،. فقد رصدت أكثر من 9300 حادثة في أكثر من 45 دولة أثرت فيها أعمال العنف المرتبطة بالنزاعات على البنية الأساسية الضرورية للغذاء. ومن بينها أكثر من 3200 عملية قصف استهدفت أسواقًا أو أراضي زراعية أو أنظمة مياه. وهذا يعيد تعريف مفهوم «الهجوم على المدنيين».
فالقصف الذي يدمر سوقًا لا يقتل الأشخاص الموجودين فيه فقط؛ بل قد يحرم آلاف السكان من الوصول إلى الغذاء لأسابيع. والهجوم على شبكة ري قد يؤدي إلى خسارة موسم زراعي كامل. أما سرقة المواشي أو حرق المحاصيل فقد تدمر مصدر دخل أسرة لسنوات.
لذلك بدأت المنظمات الإنسانية تطالب باعتبار البنية الغذائية جزءًا أساسيًا من البنية المدنية التي يجب حمايتها أثناء الحرب.
أكثر من ألف عامل إنساني قُتلوا خلال ثلاث سنوات
الجوع ليس المشكلة الوحيدة. الأشخاص الذين يحاولون منع المجاعة أصبحوا أيضًا أهدافًا للحرب. وأشارت الإحاطة المقدمة للمجلس إلى مقتل أكثر من ألف عامل في المجال الإنساني خلال السنوات الثلاث الماضية. كما تواجه المنظمات قيودًا بيروقراطية وحملات تضليل وتجريمًا للعاملين ومنعًا للوصول إلى مناطق معينة. ولهذا جعل غوتيريش حماية العاملين الإنسانيين أحد المحاور الرئيسية الثلاثة لمقترحاته. فالحق في الغذاء يصبح بلا معنى إذا كانت المنظمات التي تنقل الغذاء لا تستطيع الوصول إلى السكان.
الجوع والتطرف: علاقة أمنية خطيرة
من الزوايا المهمة في الجلسة العلاقة بين الجوع والتجنيد المسلح، عندما تفقد أسرة أرضها ودخلها، ويكبر أطفالها في مخيم دون مدرسة أو فرصة عمل، تصبح الجماعات المسلحة إحدى الجهات القليلة التي تستطيع توفير المال أو الغذاء أو الشعور بالانتماء. وهذا يخلق دائرة خطيرة:
الحرب تدمر الاقتصاد → الجوع يدفع إلى النزوح → المخيمات والبطالة تزيد قابلية التجنيد → الجماعات المسلحة تتوسع → تبدأ حرب جديدة.
ووصف أحد المتحدثين هذه الفكرة بصورة قاسية: محصول يُحرم منه الناس اليوم يمكن أن ينتج جيلًا متطرفًا غدًا. ومن هنا تصبح مكافحة الجوع جزءًا من مكافحة الإرهاب ومنع النزاعات، وليس مجرد عمل خيري.
أين تقع سوريا في هذه المعادلة؟
لم تكن سوريا محور جلسة 25 أغسطس كما كانت غزة واليمن والسودان، لكنها تدخل بصورة مباشرة في المنطق الذي طرحه المجلس، فبلد خرج من أكثر من عقد من الحرب ويبدأ مرحلة إعادة الإعمار يحتاج إلى استعادة ليس فقط المدن والمباني، بل أيضًا الأراضي الزراعية وشبكات الري والأسواق وسلاسل النقل وقدرة المزارعين على الإنتاج. وأشار الوفد الروسي خلال الجلسة إلى برامج لدعم المزارعين وإعادة تأهيل الزراعة في سوريا بالتعاون مع المؤسسات الدولية. لكن الدرس الأوسع لسوريا يتجاوز المساعدات. فإذا لم تعد الأسر الريفية قادرة على العيش من أراضيها بسبب الألغام أو الدمار أو نقص المياه أو ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة، فإن العودة من النزوح ستصبح أقل استدامة. وهنا تصبح إعادة بناء الزراعة جزءًا من إعادة بناء السلام.
القانون الدولي الإنساني يحظر استخدام تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، كما يحظر مهاجمة أو تدمير أو إزالة الأشياء الضرورية لبقاء السكان المدنيين، مثل المواد الغذائية والمناطق الزراعية والمحاصيل والماشية ومرافق مياه الشرب. وهذا هو السبب في أن النقاش لم يقتصر على الدعوات الإنسانية. فعدد من الدول طالب بالمحاسبة القانونية عندما يتم منع الغذاء والمساعدات بصورة متعمدة لتحقيق هدف عسكري أو سياسي. وأكدت إندونيسيا بصورة مباشرة أن التجويع كأسلوب حرب يمثل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني ويمكن أن يشكل جريمة حرب.
تكشف مناقشة 25 أغسطس عن تحول أوسع في مفهوم الأمن الدولي.ففي الماضي كان مجلس الأمن ينظر إلى الغذاء غالبًا باعتباره جزءًا من العمل الإنساني الذي تتولاه وكالات الأمم المتحدة بعد نشوب الحرب. أما اليوم، فتتقدم فكرة مختلفة:
حماية الغذاء نفسها يمكن أن تمنع الحرب. ومن هنا لم يعد السؤال فقط كيف نطعم الناس خلال الحرب، وإنما:
كيف نحمي أنظمة الغذاء حتى لا تتحول الحرب إلى مجاعة، وحتى لا تتحول المجاعة إلى حرب جديدة؟
نعم حماية الأمن الغذائي لم تعد ملفًا إنسانيًا منفصلًا عن السياسة والأمن، بل أصبحت أحد الشروط الأساسية لأي سلام قابل للاستمرار.
VOS – Voice of Syria | متابعة قضايا الأمم المتحدة والشرق الأوسط

