الأمم المتحدة تضع الموارد الطبيعية في قلب معادلة السلام والأمن: رسائل تتجاوز المعادن إلى الطاقة والمياه واستقرار الشرق الأوسط

Issam Khoury

ByIssam Khoury

23 يوليو 2026 #سكر

في تحول لافت في طريقة مقاربة مجلس الأمن الدولي لأسباب النزاعات، عقد المجلس في 22 يوليو/تموز 2026 مناقشة مفتوحة رفيعة المستوى تحت عنوان «حوكمة الموارد الطبيعية: أساس السلام والأمن والازدهار»، بمبادرة من جمهورية الكونغو الديمقراطية التي تولت رئاسة المجلس خلال الشهر.

ورغم أن المناقشة لم تكن مخصصة للشرق الأوسط بصورة حصرية، فإن مضمونها حمل دلالات مباشرة للمنطقة، ولا سيما مع مشاركة دول عربية بارزة مثل السعودية والإمارات والبحرين ومصر، إضافة إلى مجلس التعاون الخليجي وتركيا، وطرحها قضايا تتعلق بالطاقة والمياه والممرات البحرية والأمن الاقتصادي وتمويل الجماعات المسلحة.

وتنطلق الفكرة الأساسية التي ناقشها المجلس من معادلة بسيطة لكنها شديدة الأهمية: الموارد الطبيعية ليست بالضرورة سببًا في النزاع، لكنها قد تتحول إلى وقود للحروب عندما تغيب المؤسسات والقانون والشفافية، كما يمكن أن تصبح أساسًا للسلام عندما توزع عوائدها بصورة عادلة وتدار ضمن مؤسسات قادرة على حماية المصلحة العامة.

وجاءت الجلسة رقم 10200 ضمن بند «صون السلم والأمن الدوليين»، وترأسها وزير خارجية جمهورية الكونغو الديمقراطية، بينما قدم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إحاطة رئيسية، إلى جانب المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية نغوزي أوكونجو-إيويالا، قبل أن تتحدث عشرات الدول والمنظمات الإقليمية على مدى جلستين صباحية ومسائية. مراسلنا عصام خوري من داخل الامم المتحدة رصد أهم الكلمات:

الموارد قد تبني الازدهار أو تمول العنف

ركز الأمين العام أنطونيو غوتيريش على التغير الذي طرأ على طبيعة الصراع حول الموارد في العالم، مشيرًا إلى أن المعادن الحيوية مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل والعناصر الأرضية النادرة أصبحت ذات أهمية استراتيجية متزايدة مع التحول نحو الطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي.

لكن الموارد التي يفترض أن تشكل فرصة للتنمية قد تتحول، بحسب غوتيريش، إلى مصدر لتمويل الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية، ولا سيما عندما تدخل الموارد المستخرجة بصورة غير مشروعة في سلاسل توريد دولية يصعب تتبعها.

وأشار الأمين العام إلى أن مجلس الأمن تعامل سابقًا مع هذه الظاهرة من خلال العقوبات وآليات المراقبة، وذكر بصورة مباشرة أنظمة مرتبطة بجمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيا وحركة الشباب، بهدف منع وصول عائدات الموارد الطبيعية غير المشروعة إلى الجهات التي تستخدمها لتمويل العنف.

وحدد غوتيريش أربعة محاور اعتبرها ضرورية: العدالة، والوقاية، والتسوية السلمية للنزاعات، والمناخ.

في محور العدالة، دعا إلى تغيير النموذج الذي تستخرج بموجبه المواد الخام من الدول المنتجة بينما تنتقل القيمة الاقتصادية الأساسية إلى الخارج، مؤكدًا ضرورة التصنيع والمعالجة داخل البلدان المنتجة وتحقيق فوائد ملموسة للمجتمعات المحلية.

وفي عبارة شديدة الوضوح قال: «لا مزيد من الاستغلال. لا مزيد من النهب.»

كما شدد على أن الدول والمجتمعات التي توجد الموارد داخل أراضيها يجب أن تكون أول المستفيدين منها، وأن الاستثمار المسؤول يجب أن يقترن بالشفافية والمعايير البيئية وحقوق الإنسان وسلاسل قيمة أكثر عدالة.

الموارد ليست معادن فقط: المياه والطاقة والأراضي تدخل معادلة الأمن

إحدى النقاط المهمة في المناقشة كانت توسيع مفهوم «الموارد الطبيعية» إلى ما هو أبعد من المعادن.

فالمياه والطاقة والأراضي الزراعية والغابات والتنوع البيولوجي أصبحت جميعها عناصر مرتبطة بالأمن السياسي والاقتصادي.

وأوضح غوتيريش أن الجفاف والفيضانات وتدهور البيئة وفقدان النظم البيئية يمكن أن تقلل القدرة على الوصول إلى الأرض والمياه والموارد، فتؤدي إلى فقدان سبل العيش وإضعاف المؤسسات وزيادة التوتر، وفي بعض الحالات إشعال أعمال العنف.

وهنا تحديدًا تصبح المناقشة ذات أهمية كبيرة للشرق الأوسط، حيث تتقاطع ندرة المياه، وإنتاج النفط والغاز، وأمن الطاقة، والأراضي الزراعية، وحركة التجارة البحرية مع عدد كبير من الملفات السياسية والأمنية.

فالصراع على المورد لا يبدأ بالضرورة حول بئر نفط أو منجم؛ فقد يبدأ من كيفية توزيع المياه، ومن يسيطر على منشآت الطاقة، ومن يحصل على الإيرادات، ومن يحدد أولويات الإنفاق، وما إذا كانت المجتمعات المحلية ترى في المورد ثروة مشتركة أم امتيازًا تستحوذ عليه فئة محددة.

المياه يمكن أن تصبح قضية سلام وأمن

جاءت المداخلة المصرية من أكثر الكلمات وضوحًا في توسيع نطاق النقاش إلى المياه. وقالت مصر إن الموارد الطبيعية ليست في حد ذاتها سببًا للنزاعات، وإنما المشكلة تكمن في طريقة إدارتها، داعية إلى الانتقال مما وصفته من «لعنة الموارد إلى نعمة الموارد».

وأكدت القاهرة أن المياه، وخصوصًا مياه الأنهار العابرة للحدود، ترتبط مباشرة ببقاء السكان وبالأمن الغذائي والاقتصادي والاجتماعي.

وشددت على مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول وعدم التسبب بضرر ذي شأن، إضافة إلى الإخطار والتشاور المسبق بشأن المشاريع ذات التأثير العابر للحدود، ودعت إلى إدخال إدارة المياه المشتركة بصورة أكبر في أدوات الوقاية من النزاعات.

وهذا الطرح لا يتعلق بإفريقيا وحدها؛ فهو قابل للتطبيق على الشرق الأوسط حيث تمر أنهار ومصادر مياه عبر أكثر من دولة، وتتشابك قضايا المياه مع الأمن الغذائي والطاقة والسكان والهجرة.

أمن الموارد يرتبط بأمن طرق الملاحة

أما السعودية فركزت على بُعد مختلف شديد الصلة بالشرق الأوسط: الممرات البحرية وأمن الإمدادات.

وأكد المندوب السعودي أن ازدياد الطلب على الموارد الطبيعية أدى في بعض الحالات إلى نزاعات إقليمية ودولية، وأن سوء الإدارة يمكن أن يزعزع استقرار الدول والمناطق المحيطة بها.

كما ربطت الرياض بين أمن الموارد الطبيعية وأمن الممرات البحرية والتجارة الدولية وإمدادات الطاقة، محذرة من أن إغلاق المضائق أو تعطيل الممرات البحرية يؤدي إلى اضطراب سلاسل التوريد ويؤثر في الاقتصاد العالمي، وصولًا إلى الدول الفقيرة التي تعتمد على تدفق الغذاء والطاقة عبر تلك الطرق.

وأكدت السعودية كذلك ضرورة تجفيف مصادر التمويل التي تحصل عليها التنظيمات الإرهابية من الاستغلال غير المشروع للموارد الطبيعية.

ومن منظور الشرق الأوسط، تبدو هذه النقطة بالغة الأهمية بسبب موقع المنطقة بين عدد من أكثر طرق الملاحة حساسية في العالم، من البحر الأحمر وباب المندب إلى الخليج ومضيق هرمز وشرق المتوسط.

وبذلك يصبح تأمين الموارد ليس قضية إنتاج فقط، وإنما إنتاج ونقل وموانئ وأنابيب وطرق بحرية وأسواق عالمية.

الوقاية أرخص من معالجة الحرب

ركزت الإمارات بدورها على المؤسسات والشفافية، معتبرة أن الموارد الطبيعية عندما تدار بصورة مسؤولة تستطيع دفع النمو الاقتصادي والازدهار، لكن الاستغلال غير المشروع يمكن أن يمول الجماعات المسلحة والإرهابية والشبكات الإجرامية.

ودعت أبوظبي إلى دعم الدول المنتجة في الانتقال من تصدير المواد الخام إلى المعالجة والتصنيع المحلي والمشاركة في مراحل أكبر من سلاسل القيمة العالمية.

وكان من أبرز ما طرحته الإمارات أن تعزيز الحوكمة لمنع النزاعات المرتبطة بالموارد أكثر فعالية وأقل تكلفة بكثير من التدخل بعد اندلاع النزاع.

كما ربطت بين الاستثمار المسؤول وحقوق الإنسان والبيئة والشفافية والشراكات العادلة، معتبرة أن أمن سلاسل المعادن لا يمكن فصله عن جودة المؤسسات التي تديرها.

خطوط الطاقة يمكن أن تتحول إلى أدوات لبناء الثقة

قدمت تركيا مثالًا آخر يرتبط مباشرة بالجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، إذ وصفت نفسها بأنها مركز صاعد للطاقة وبلد عبور بين أوروبا والقوقاز والشرق الأوسط.

وقالت إن تجربة خطوط الأنابيب ومحطات الغاز الطبيعي المسال والربط الكهربائي والطاقة بين الدول أظهرت أن التعاون حول البنية التحتية يمكن أن يخلق مصالح اقتصادية مشتركة حتى بين بلدان ذات علاقات سياسية معقدة.

وبحسب الموقف التركي، فإن إدارة الموارد ليست مسألة تقنية فقط، وإنما ركيزة استراتيجية للاستقرار الإقليمي، ويمكن لمشاريع الطاقة المشتركة أن تخفف التوتر وتخلق اعتمادًا متبادلًا يدفع الأطراف إلى المحافظة على الاستقرار.

الوظائف والتصنيع جزء من صناعة السلام

أضافت المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية نغوزي أوكونجو-إيويالا بعدًا اقتصاديًا مهمًا إلى المناقشة، فبحسب رؤيتها، لا يكفي منع تهريب المعادن أو مراقبة المناجم؛ بل يجب تغيير البنية الاقتصادية نفسها.

وأوضحت أن معالجة المواد الخام وتصنيعها محليًا يساعد الحكومات على مراقبة الموارد وفرض الضرائب عليها، ويجعل استيلاء الجماعات شبه العسكرية على عوائدها أكثر صعوبة.

كما أن استفادة المجتمع المحلي من الوظائف والدخل والصناعة تجعله صاحب مصلحة في حماية النشاط الاقتصادي المشروع، بدل أن يشعر بأن الموارد الموجودة في منطقته تُستخرج لمصلحة الآخرين.

ولهذا وصفت الانتقال نحو الاقتصاد ذي القيمة المضافة بأنه ليس مجرد سياسة تنموية، وإنما أداة لبناء السلام.

رغم أن سوريا لم تكن موضوع جلسة 22 يوليو بصورة مباشرة، فإن المبادئ التي طرحتها المناقشة تطرح أسئلة بالغة الأهمية أمام الدول الخارجة من النزاعات، وفي مقدمتها سوريا.
ففي مرحلة إعادة الإعمار، لا يتعلق السؤال فقط بزيادة إنتاج النفط أو الغاز أو الكهرباء أو استقطاب الاستثمارات، وإنما بكيفية إدارة الإيرادات، ومن يملك القرار، وكيف توزع المشاريع بين المناطق، وما حصة المجتمعات المحلية، وكيف تمنع شبكات الفساد والتهريب والجماعات المسلحة من السيطرة على الموارد.
وينطبق الأمر كذلك على المياه والزراعة والسدود والمناطق الغنية بالطاقة.
وقد يصبح تنظيم الموارد جزءًا من أي تسوية سياسية داخلية طويلة المدى؛ لأن الاتفاقات المتعلقة بالسيطرة على الأرض والإدارة المحلية وتقاسم الإيرادات يمكن أن تكون في بعض الحالات بنفس أهمية الترتيبات العسكرية.
وهذا ما أشار إليه غوتيريش عندما قال إن قضايا الوصول إلى الموارد وملكيتها والسيطرة على الأراضي وتقاسم الإيرادات والفوائد المحلية ليست مجرد قضايا تقنية، بل قضايا سياسية يجب أن تدخل في تحليل النزاعات والوساطة والتسويات السلمية.

تكشف جلسة مجلس الأمن في 22 يوليو عن تحول أوسع في فهم الأمم المتحدة للأمن، فالأمن لم يعد يُقرأ فقط من خلال الجيوش والحدود ووقف إطلاق النار، بل أصبح يشمل المؤسسات الاقتصادية، والمياه، والطاقة، والمناخ، وسلاسل الإمداد، والفساد، والتجارة غير المشروعة، وحقوق المجتمعات المحلية.

وبالنسبة إلى الشرق الأوسط، تحمل هذه المقاربة رسالة مهمة: الدولة التي لا تستطيع إدارة مواردها بعدالة وشفافية قد تجد أن الثروة التي يفترض أن تدعم الاستقرار تتحول إلى مصدر جديد للانقسام والصراع.

أما الدولة التي تستطيع بناء المؤسسات، وإخضاع الموارد للقانون، وتوزيع المنافع بصورة أكثر عدلًا، وخلق الوظائف والقيمة الاقتصادية محليًا، فقد تجعل من المورد نفسه أداة لتثبيت السلام.

وهكذا خرجت مناقشة مجلس الأمن برسالة تتجاوز ملف المعادن الحرجة الذي دفع بالموضوع إلى الواجهة: السلام المستدام لا يحتاج فقط إلى اتفاق بين القوى السياسية والعسكرية، بل يحتاج أيضًا إلى اتفاق ضمني أو صريح حول من يملك الثروة، وكيف تدار، ولمن تذهب عوائدها.

VOS – Voice of Syria | متابعة قضايا الأمم المتحدة والشرق الأوسط

Issam Khoury

ByIssam Khoury

عصام خوري صحفيّ وروائيّ مقيمٌ بنيويورك،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *