عمّان – 2 سبتمبر/أيلول 2026
دخل الأردن مجددًا دائرة المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما أطلقت طهران خلال الساعات الأخيرة سلسلة من الصواريخ الباليستية باتجاه منشآت عسكرية أميركية داخل المملكة، في واحدة من أعنف موجات التصعيد منذ اندلاع الحرب الأميركية–الإيرانية في فبراير/شباط الماضي.
الهجمات الأخيرة لم تكن حادثة منفصلة، بل جاءت ضمن سلسلة متزايدة من الضربات والانتهاكات الجوية التي جعلت الأراضي الأردنية، على مدى أكثر من عامين، تتأثر بصورة مباشرة بالمواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. ومع أن غالبية الصواريخ والمسيرات تم اعتراضها، فإن الشظايا والمقذوفات المتساقطة تسببت في أكثر من مناسبة بإصابات بين المدنيين وأضرار في المنازل والمركبات.
هجوم 2 أيلول/ سبتمبر: إيران تستهدف قواعد أميركية داخل الأردن
في أحدث جولة تصعيد، أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ هجمات بالصواريخ الباليستية على أهداف أميركية داخل الأردن، من بينها قاعدة الأمير حسن الجوية وموقع عسكري تستخدمه قوات مشاة البحرية الأميركية قرب خليج العقبة.
وجاء الرد الإيراني عقب موجة جديدة من الضربات الأميركية على منشآت عسكرية إيرانية في جنوب البلاد، شملت مواقع للدفاع الجوي والرادارات وقدرات زرع الألغام والمنشآت البحرية ومراكز الاتصالات.
وقال الجيش الأردني إن 13 صاروخًا باليستيًا إيرانيًا دخلت المجال الجوي للمملكة، وإن الدفاعات الجوية تمكنت من اعتراض عشرة منها، بينما سقطت ثلاثة في مناطق نائية، من دون تسجيل إصابات بشرية. وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني أن ضرباته استهدفت منشآت وطائرات أميركية، إلا أن مسؤولًا أميركيًا قال إن الهجوم على الموقع الأميركي في الأردن لم يسفر عن إصابات أو أضرار كبيرة.
وتكشف الجولة الجديدة تحولًا لافتًا في طبيعة المواجهة: فإيران لم تعد تستخدم الأجواء الأردنية فقط كمسار للصواريخ المتجهة إلى إسرائيل، وإنما باتت تعلن بصورة صريحة أن منشآت عسكرية تقع داخل الأراضي الأردنية أصبحت أهدافًا مباشرة.
31 أغسطس: ثمانية صواريخ باتجاه قواعد أميركية
قبل الهجوم الأخير بنحو يومين فقط، شهد الأردن جولة مشابهة. فبعد استهداف القوات الأميركية في 30 أغسطس/آب منصات صواريخ إيرانية في جزيرة لارك عند مضيق هرمز، أعلن الحرس الثوري الإيراني شن هجوم مركب بالصواريخ والطائرات المسيرة على مواقع أميركية داخل الأردن.
وذكرت إيران أن الهجوم استهدف مواقع عسكرية في منطقتي الأزرق وقاعدة الملك حسين، بينما أعلن الجيش الأردني اعتراض ثمانية صواريخ أطلقت من الأراضي الإيرانية. ولم ترد تقارير رسمية عن وقوع إصابات بشرية أو أضرار كبيرة في تلك الجولة.
وهكذا، شهد الأردن خلال ثلاثة أيام فقط جولتين منفصلتين من الهجمات الإيرانية المباشرة على مواقع مرتبطة بالقوات الأميركية.
يوليو 2026: ضربات متكررة على الأراضي الأردنية
لكن استهداف الأردن لم يبدأ في أغسطس. فخلال يوليو/تموز تحولت الصواريخ والمسيرات الإيرانية باتجاه المملكة إلى ظاهرة متكررة.
في 12 يوليو أعلن الجيش الأردني سقوط ثلاثة صواريخ أطلقت من إيران في عدة مناطق داخل المملكة، مشيرًا إلى أنها أحدثت أضرارًا مادية طفيفة من دون إصابات.
وفي 13 يوليو اعترضت الدفاعات الجوية الأردنية أربعة صواريخ إيرانية دخلت المجال الجوي للمملكة، من دون وقوع إصابات أو أضرار.
وفي 19 يوليو أعلن الجيش اعتراض ثلاثة من أربعة صواريخ إيرانية، فيما سقط الرابع في منطقة صحراوية غير مأهولة جنوب الأردن.
لكن أخطر تطور عسكري جاء في 18 يوليو/تموز، عندما أعلنت القيادة المركزية الأميركية مقتل عسكريين أميركيين اثنين في الأردن أثناء تصديهما لهجوم بالصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.
وفي 21 يوليو أعلن الأردن إسقاط ثلاثة صواريخ إيرانية أخرى كانت تستهدف أراضي المملكة، قبل أن يعلن في 23 يوليو اعتراض أربعة صواريخ وست طائرات مسيرة إيرانية خلال 24 ساعة فقط.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الأردن لم يعد مجرد دولة تقع جغرافيًا بين أطراف الصراع، بل أصبح جزءًا من المجال العملياتي للحرب.
تموز/ يونيو 2026: عشرات الصواريخ باتجاه الأزرق
شهد يونيو/حزيران إحدى أكبر موجات الصواريخ الإيرانية باتجاه الأراضي الأردنية. ففي 10 يونيو أعلن الجيش اعتراض خمسة صواريخ أطلقت من إيران باتجاه منطقة الأزرق في محافظة الزرقاء.
وفي اليوم التالي، 11 يونيو، ارتفع العدد بصورة كبيرة، إذ أعلن الجيش الأردني اعتراض 20 صاروخًا إيرانيًا كانت متجهة إلى منطقة الأزرق، حيث توجد منشآت عسكرية مهمة وتعاون عسكري أردني–أميركي. وسقطت شظايا الصواريخ في عدة أماكن، لكن لم تسجل إصابات في تلك الجولة.
وفي 8 يونيو كانت شظايا صواريخ أطلقت من إيران باتجاه إسرائيل قد سقطت بالفعل داخل الأراضي الأردنية، بما في ذلك مناطق شمال المملكة.
آذار/ مارس 2026: المدنيون يتعرضون للإصابة
إذا كانت جولات يونيو ويوليو وأغسطس انتهت في الغالب من دون إصابات بين المدنيين، فإن بداية الحرب في فبراير ومارس أظهرت الخطر الحقيقي الذي تمثله الصواريخ والشظايا على التجمعات السكنية الأردنية.
في 28 فبراير/شباط 2026، وهو اليوم الذي بدأت فيه الحرب الأميركية–الإيرانية الحالية، سجلت مديرية الأمن العام الأردنية سقوط شظايا ومقذوفات في محافظات عمان والزرقاء وجرش ومادبا وإربد. وسجلت أضرارًا مادية، لكن من دون إصابات خلال الساعات الأولى، لكن الوضع تغير في اليوم التالي.
1 مارس: خمسة مدنيين يصابون وتضرر 19 منزلًا
في 1 مارس/آذار أعلنت مديرية الأمن العام التعامل مع 115 بلاغًا عن سقوط أجسام وشظايا صاروخية في أنحاء المملكة.
وأسفرت الحوادث عن إصابة خمسة مدنيين، أربعة منهم في منطقة البادية الوسطى وشخص خامس في محافظة إربد.
كما أدت الشظايا إلى أضرار في 19 منزلًا و11 مركبة.
ووثقت منظمة Airwars إصابة أربعة أشخاص في منطقة الزميلة بلواء الجيزة في محافظة عمان نتيجة سقوط شظايا صاروخ خلال هجوم إيراني. ونقل المصابون إلى المستشفى قبل أن توصف حالاتهم بأنها جيدة. كانت تلك واحدة من أوضح الحالات التي انتقلت فيها المواجهة العسكرية من السماء إلى حياة المدنيين الأردنيين بصورة مباشرة.
30 مارس: شظية تصل إلى ساحة منزل
وفي 30 مارس أعلن الجيش الأردني أن إيران أطلقت خمسة صواريخ وطائرة مسيرة باتجاه المملكة، وتم اعتراضها جميعًا.
لكن مديرية الأمن العام تلقت خلال اليوم نفسه نحو 20 بلاغًا عن سقوط شظايا ومقذوفات، وأصيبت امرأة بعدما سقطت شظايا صاروخية داخل ساحة منزلها وسط الأردن. تلقت العلاج وغادرت المستشفى لاحقًا. وبحسب بيانات رسمية أردنية صدرت لاحقًا، ارتفع العدد التراكمي لحوادث سقوط الشظايا والمقذوفات منذ بداية النزاع إلى 414 حادثة، تسببت في 24 إصابة، وجميع المصابين غادروا المستشفيات بعد تلقي العلاج.
جذور أقدم: إيران والأجواء الأردنية منذ 2024
في 13 و14 أبريل/نيسان 2024، عندما أطلقت إيران للمرة الأولى هجومًا مباشرًا واسعًا على إسرائيل بمئات الصواريخ والطائرات المسيرة، عبر قسم منها الأجواء الأردنية.
اعترض الأردن عددًا من المقذوفات، وسقطت شظايا في عدة مناطق، بينها مناطق قريبة من العاصمة عمان، من دون تسجيل إصابات بشرية آنذاك.
لكن في الجولة الإيرانية التالية ضد إسرائيل في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2024، سجل الأردن إصابتين طفيفتين بين المدنيين نتيجة سقوط شظايا صاروخية في عدة محافظات شملت عمان والبلقاء والزرقاء ومادبا والكرك.
وفي 14 يونيو/حزيران 2025، خلال الحرب الإيرانية–الإسرائيلية، سقطت شظايا في محافظة إربد وألحقت أضرارًا بمنازل ومركبات. وتشير بعض المصادر إلى إصابة شخصين، بينما وثقت Airwars ثلاثة مدنيين من أسرة واحدة أصيبوا داخل منزلهم في إربد. إلا أن الجهة التي أطلقت المقذوف الأصلي لم تحسم بصورة قاطعة، ولذلك لا يمكن نسب الحادث مباشرة إلى إيران بدرجة اليقين نفسها الموجودة في هجمات 2026.
«البرج 22»: الهجوم الذي سبق المواجهة المباشرة
هناك كذلك محطة أساسية لا يمكن فصلها عن هذا المسار. ففي 28 يناير/كانون الثاني 2024 تعرض الموقع العسكري الأميركي المعروف باسم Tower 22 في شمال شرق الأردن، قرب الحدود مع سوريا والعراق، لهجوم بطائرة مسيرة أدى إلى مقتل ثلاثة عسكريين أميركيين وإصابة أكثر من 40 آخرين.
لكن من المهم التمييز بين ذلك الهجوم والضربات الحالية.
الهجوم لم تنفذه القوات الإيرانية بصورة معلنة ومباشرة، وإنما نسبته واشنطن إلى ميليشيا عراقية مدعومة من إيران، وقال مسؤولون أميركيون لاحقًا إن الطائرة المستخدمة كانت إيرانية الصنع.
أما منذ 2026، فقد تغيرت المعادلة: القوات المسلحة الإيرانية نفسها أصبحت تعلن مسؤوليتها عن إطلاق الصواريخ باتجاه أهداف داخل الأردن.
من عبور الصواريخ إلى استهداف الأردن
يمكن تقسيم تطور التهديد الإيراني للأردن إلى ثلاث مراحل.
المرحلة الأولى، عام 2024، كان الأردن يتعامل أساسًا مع صواريخ ومسيرات إيرانية تعبر أجواءه باتجاه إسرائيل.
ثم جاءت مرحلة ثانية تمثلت في هجمات الفصائل المدعومة من إيران على القوات الأميركية، وأبرزها هجوم Tower 22.
أما المرحلة الثالثة، التي ظهرت بوضوح منذ اندلاع الحرب الأميركية–الإيرانية في فبراير/شباط 2026، فتتمثل في استهداف إيران بصورة مباشرة مواقع ومنشآت عسكرية موجودة على الأراضي الأردنية.
وهذا التحول يحمل تداعيات أكبر من مجرد الخطر العسكري على القواعد الأميركية. فعندما تطلق عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وتعترض فوق دولة ذات كثافة سكانية عالية نسبيًا، لا ينتهي الخطر عند إسقاط الصاروخ. فالرؤوس الحربية والمحركات وأجزاء صواريخ الاعتراض نفسها تتحول إلى أجسام ثقيلة تسقط بصورة غير متوقعة على المدن والقرى والطرق والمنازل.
والأرقام الأردنية خلال 2026 تظهر أن هذا الخطر لم يعد نظريًا: مئات البلاغات عن سقوط الشظايا، وعشرات الإصابات المدنية، وأضرار لحقت بمنازل ومركبات.
الأردن أمام معادلة صعبة
تضع الضربات الأخيرة عمّان أمام معادلة أمنية وسياسية شديدة التعقيد. فالأردن حليف وثيق للولايات المتحدة ويستضيف قوات ومنشآت عسكرية أميركية، لكنه في الوقت ذاته يؤكد بصورة متكررة أنه لن يسمح باستخدام أراضيه أو أجوائه كساحة حرب بين القوى الإقليمية والدولية.
ومن وجهة النظر الإيرانية، بات وجود منشآت عسكرية أميركية داخل المملكة يجعل بعض المواقع الأردنية جزءًا من بنك الأهداف في أي مواجهة مع واشنطن.
أما من المنظور الأردني، فإن إطلاق الصواريخ باتجاه أراضي المملكة يمثل انتهاكًا مباشرًا للسيادة ويعرض السكان للخطر، سواء أصابت الصواريخ أهدافها أم اعترضتها الدفاعات الجوية. وهنا تكمن أخطر نتائج المرحلة الحالية: الأردن لم يختر أن يكون طرفًا مركزيًا في الحرب الأميركية–الإيرانية، لكنه بات يقع جغرافيًا وعسكريًا في قلبها.
ومع انتقال طهران من استخدام المجال الجوي الأردني كمسار باتجاه إسرائيل إلى الإعلان صراحة عن استهداف قواعد داخل المملكة، يصبح السؤال بالنسبة لعمّان أقل ارتباطًا بإمكانية وصول الحرب إلى الأردن، وأكثر ارتباطًا بكيفية منع تحول الأراضي الأردنية نفسها إلى واحدة من جبهاتها الدائمة.

