ارتفاع أسعار الوقود يفجّر موجة احتجاجات في سوريا وسط غضب من السياسات الاقتصادية

VOS Newsroom

ByVOS Newsroom

15 سبتمبر 2026

دمشق – VOS

شهدت مناطق واسعة من سوريا خلال الأيام الماضية موجة احتجاجات شعبية على خلفية الارتفاع الحاد في أسعار المشتقات النفطية، في واحدة من أوسع التحركات الاجتماعية المرتبطة بالوضع المعيشي منذ سقوط نظام بشار الأسد، وسط مطالب بالتراجع عن القرار ومحاسبة المسؤولين عن السياسات الاقتصادية التي يقول المحتجون إنها تزيد الأعباء على السوريين.

وبدأت الاحتجاجات الأحد 13 أيلول/سبتمبر، بالتزامن مع دخول التسعيرة الجديدة للمحروقات حيز التنفيذ، قبل أن تمتد إلى مناطق إضافية خلال اليومين التاليين. وشهدت بعض المناطق قطع طرق رئيسية وإشعال إطارات، فيما نفذ سائقون وأصحاب شاحنات ووسائل نقل احتجاجات وإضرابات اعتراضاً على ارتفاع تكاليف التشغيل.

ووفق تقارير ميدانية، سجلت تحركات في حلب وإدلب وحماة وريف دمشق ودرعا والرقة ودير الزور والحسكة، مع تفاوت في حجمها وطبيعتها بين منطقة وأخرى. وفي أجزاء من شمال وشرق سوريا، أغلق محتجون طرقاً تمر عبرها ناقلات النفط، كما شهدت مناطق في الحسكة ودير الزور والرقة توقفاً جزئياً في حركة النقل.

وامتدت الاحتجاجات الثلاثاء إلى مدينة القامشلي، حيث تظاهر المئات حاملين لافتات ترفض رفع الأسعار، بينها شعارات «لا لسياسة التجويع» و«حافظوا على قوت الشعب»، في مؤشر على استمرار اتساع التداعيات الاجتماعية للقرار.

زيادات وصلت إلى 40 بالمئة

وكانت اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية قد أصدرت تسعيرة جديدة دخلت حيز التنفيذ في 13 أيلول، حددت سعر ليتر بنزين 95 عند 195 ليرة سورية، وبنزين 90 عند 185 ليرة، والمازوت عند 175 ليرة، إضافة إلى رفع أسعار الغاز المنزلي والصناعي.

وبحسب وكالة رويترز، بلغت الزيادة في سعر المازوت نحو 40 بالمئة، بينما ارتفعت أسعار البنزين بنسب كبيرة أيضاً. وتأتي هذه الزيادة بعد ارتفاعات سابقة خلال العام الحالي، ما جعل أثرها التراكمي أشد على دخل الأسر السورية وعلى قطاعات النقل والزراعة والصناعة.

وسرعان ما تجاوزت الاعتراضات مسألة سعر الوقود بحد ذاتها، إذ يخشى السوريون انتقال الزيادة إلى معظم جوانب الحياة اليومية، بدءاً من أجور المواصلات والشحن، مروراً بأسعار الأغذية والمنتجات الزراعية، وصولاً إلى كلفة الكهرباء والتدفئة والخدمات.

الحكومة: القرار مؤقت

وزارة الطاقة السورية بررت الزيادة بأنها ناتجة عن «ارتفاع استثنائي» في كلفة تأمين المشتقات النفطية عالمياً، إضافة إلى دخول مصفاة بانياس في أعمال صيانة شاملة تستمر نحو شهرين، الأمر الذي يزيد الحاجة إلى استيراد المنتجات النفطية الجاهزة.

وأكدت الوزارة أن التسعيرة مؤقتة، وأن الأسعار ليست ثابتة ويمكن مراجعتها صعوداً أو هبوطاً وفق تغير تكاليف الاستيراد والظروف الدولية.

وتواجه سوريا بالفعل مشكلة هيكلية في قطاع الطاقة، إذ ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد حاجتها من المشتقات النفطية، بينما تعاني منشآتها الإنتاجية والتكريرية من أضرار وتراجع في القدرة التشغيلية بعد سنوات الحرب.

لكن هذه المبررات لم تقنع شريحة واسعة من المحتجين، الذين يرون أن الحكومة نقلت الزيادة في الكلفة العالمية بصورة مباشرة إلى مواطن يعيش أصلاً تحت ضغط اقتصادي شديد، من دون أن تترافق الزيادة مع رفع متناسب للأجور أو شبكة حماية اجتماعية قادرة على تعويض خسارة القوة الشرائية.

«الشعب يريد إسقاط الوزير»

وفي عدد من الاحتجاجات ارتفعت مطالب المتظاهرين من الدعوة إلى التراجع عن التسعيرة إلى المطالبة باستقالة وزير الطاقة محمد البشير، وردد محتجون شعار «الشعب يريد إسقاط الوزير».

وتمثل هذه الشعارات تطوراً سياسياً مهماً؛ فالاحتجاجات التي بدأت بسبب قرار اقتصادي محدد تحولت في بعض المناطق إلى مساءلة مباشرة لأداء المسؤولين وطريقة اتخاذ القرارات الاقتصادية.

وفي استجابة أولية للجدل، وافق مكتب مجلس الشعب على عقد جلسة استماع لوزير الطاقة يوم الخميس 17 أيلول/سبتمبر، لمناقشة أسباب إصدار التسعيرة الجديدة والظروف التي أدت إليها.

أزمة تتجاوز سعر ليتر المازوت

المشكلة التي فجرتها زيادة أسعار الوقود لا تقتصر على المحروقات وحدها. فالنقاش الذي يتسع في الشارع السوري يتعلق أيضاً بطريقة إدارة الاقتصاد في المرحلة الانتقالية، وبغياب تصور معلن يشرح للمواطنين كيف ستتوزع أعباء الإصلاح الاقتصادي، وما إذا كانت الحكومة ستعتمد تحرير الأسعار أولاً ثم تنتظر تحسن الدخول لاحقاً.

وفي بلد تشير تقديرات دولية إلى أن نحو 90 بالمئة من سكانه يعيشون تحت خط الفقر، يصبح تطبيق زيادات كبيرة ومفاجئة في أسعار سلعة تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة معظم المنتجات والخدمات قراراً شديد الحساسية اجتماعياً. ووصفت رويترز الاحتجاجات بأنها الأوسع انتشاراً منذ سقوط نظام الأسد قبل نحو عامين.

كما أن ارتفاع سعر المازوت تحديداً لا يصيب أصحاب السيارات فقط؛ فهو يدخل في تشغيل الشاحنات ووسائل النقل والآليات الزراعية والمولدات وبعض الأنشطة الصناعية، ما يعني أن أثره ينتقل تدريجياً إلى سعر الخبز والخضار والمنتجات المصنعة والنقل والتدفئة.

اختبار مبكر للسلطة الجديدة

تكشف الاحتجاجات عن تحدٍ يتجاوز قدرة الحكومة على تأمين الوقود. فهي تشكل اختباراً لطريقة تعامل السلطة السورية الجديدة مع الاعتراض الاجتماعي السلمي، وقدرتها على الانتقال من منطق مطالبة السكان بتحمل الصعوبات إلى تقديم سياسة اقتصادية واضحة قابلة للمساءلة. فالسوريون الذين تحملوا سنوات طويلة من الحرب والانهيار الاقتصادي لا يعترضون بالضرورة على وجود أزمة عالمية في أسعار الطاقة، لكن جزءاً متزايداً من الغضب يتركز على سؤال أكثر مباشرة: لماذا يتحمل المواطن وحده تكلفة الأزمة؟

وإذا كانت الحكومة تعتبر الزيادة إجراءً اضطرارياً ومؤقتاً، فإن التحدي أمامها سيكون إثبات ذلك عملياً، عبر الإعلان عن معايير واضحة لتعديل الأسعار عند انخفاض الكلفة العالمية، وشرح آلية التسعير للرأي العام، وتقديم إجراءات موازية لحماية أصحاب الدخل المحدود.

أما تجاهل الغضب الشعبي أو الاكتفاء بتبرير الزيادة بالعوامل الخارجية، فقد يحول احتجاجاً بدأ بسبب سعر الوقود إلى حركة أوسع ضد السياسات الاقتصادية برمتها.

VOS – Voice of Syria

VOS Newsroom

ByVOS Newsroom

«VOS Voice of Syria منصة إعلامية مستقلة مقرها نيويورك، تنتج الأخبار والتقارير والتحليلات والمقابلات والبرامج المرئية حول سوريا والشرق الأوسط والشؤون الدولية.»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *