لماذا يُنظر إلى القمح في سوريا على أنه أكثر من مجرد محصول زراعي؟ ولماذا تحوّل الخبز، الذي كان لعقود طويلة رمزاً للحد الأدنى من الأمان المعيشي، إلى عنوان لأزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة؟
في هذه الحلقة من برنامج «جيوبوليتيك وشوية منطق»، يقدّم الإعلامي والباحث عصام خوري قراءة موسّعة في أزمة القمح السورية، ليس بوصفها أزمة زراعية فقط، بل باعتبارها واحدة من أهم القضايا المرتبطة بالأمن الغذائي، واستقرار المجتمع، وقدرة الدولة على حماية الفئات الفقيرة في مرحلة انتقالية شديدة التعقيد.
قبل عام 2011، كانت سوريا تقترب من الاكتفاء الذاتي في إنتاج القمح، إذ وصل الإنتاج في بعض السنوات إلى ما يقارب 4 ملايين طن سنوياً. هذا الرقم لم يكن مجرد مؤشر اقتصادي، بل كان جزءاً من معادلة اجتماعية كاملة: الفلاح يزرع، الدولة تشتري، المطاحن تعمل، والمواطن يحصل على رغيف مدعوم يشكّل أساس غذائه اليومي. لكن هذه المعادلة انهارت تدريجياً بعد الحرب، وتراجعت قدرة البلاد على الإنتاج والتخزين والتوزيع، حتى وصل الإنتاج في السنوات الأخيرة إلى حدود تقارب 1.5 مليون طن، مع عجز قد يقترب من 3 ملايين طن سنوياً بحسب حجم الاستهلاك والحاجة الفعلية.
أهمية القمح في سوريا لا ترتبط فقط بالغذاء، بل بالبنية المعيشية للمجتمع. فالخبز بالنسبة إلى ملايين السوريين ليس مادة إضافية على المائدة، بل هو المصدر الأساسي للطاقة اليومية، وبديل رخيص عن اللحوم والبروتينات والمواد الغذائية الأعلى ثمناً. لذلك فإن أي خلل في سعر الخبز أو توفره أو جودته ينعكس مباشرة على حياة الفقراء، وعلى الاستقرار الاجتماعي، وعلى شعور المواطن بأن الدولة ما زالت قادرة على تأمين الحد الأدنى من احتياجاته.
تتناول الحلقة جذور الأزمة من زوايا متعددة. فالحرب دمّرت مساحات واسعة من البنية الزراعية، وأثّرت على شبكات الري، وأضعفت قدرة الفلاحين على الوصول إلى أراضيهم أو تأمين البذار والسماد والمازوت. لكن الحرب ليست العامل الوحيد. هناك أيضاً عوامل مناخية متراكمة، مثل الجفاف، وتراجع الموارد المائية، وارتفاع ملوحة التربة في بعض المناطق، إضافة إلى تأثيرات السدود والمشاريع المائية الإقليمية على تدفق المياه، وخصوصاً في مناطق كانت تاريخياً أساسية في زراعة القمح.
كما يناقش الفيديو مشكلة غياب التخطيط الزراعي الواقعي. فالفلاح لا يزرع بناءً على الشعارات، بل بناءً على حسابات الربح والخسارة. إذا لم تكن هناك أسعار شراء مشجعة، وإذا لم تتوفر المحروقات والأسمدة، وإذا لم تكن هناك ثقة بأن الدولة أو السوق سيشتري المحصول بسعر عادل، فإن كثيراً من المزارعين سيفضلون ترك الأرض أو التحول إلى محاصيل أخرى أقل مخاطرة. وهنا تصبح أزمة القمح أزمة ثقة بين الفلاح والدولة، وليست فقط أزمة إنتاج.
وتفتح الحلقة أيضاً ملف الاستيراد. فحين لا تستطيع سوريا إنتاج ما يكفيها من القمح، تصبح مضطرة للشراء من السوق العالمية. وهنا تدخل عوامل جديدة: سعر القمح العالمي، كلفة النقل، التأمين، العقوبات، التمويل، الموانئ، والعلاقات السياسية مع الدول المصدّرة مثل روسيا أو أوكرانيا أو غيرهما. وبذلك يتحول رغيف الخبز السوري إلى قضية مرتبطة بالحرب في أوكرانيا، وأسعار الشحن العالمية، وسعر الدولار، وقدرة الحكومة على تأمين العملة الصعبة.
السؤال الأساسي الذي تطرحه الحلقة هو: هل يجب أن تعود الدولة إلى دعم قوي للمحاصيل الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح؟ أم أن الحل يكمن في تحرير السوق وترك القطاع الخاص يستورد وينافس؟
الجواب، كما تقترح الحلقة، ليس بسيطاً. فالسوق المفتوحة قد تساعد على تحسين الكفاءة وتقليل الهدر، لكنها قد تترك الفقراء تحت رحمة الأسعار. أما الدعم الحكومي الكامل فقد يحمي الفئات الضعيفة، لكنه قد يتحول إلى عبء مالي ضخم إذا لم يكن منظماً وشفافاً. لذلك ربما تحتاج سوريا إلى نموذج اقتصادي مختلط: دولة تحمي الأمن الغذائي وتدعم القمح كسلعة استراتيجية، وسوق أكثر مرونة يسمح بالتنافس والاستثمار، مع رقابة تمنع الاحتكار والفساد.
إن القمح في الحالة السورية ليس مجرد سلعة تجارية. إنه مسألة سيادة، وأمن وطني، وعدالة اجتماعية. فالبلد الذي لا يستطيع تأمين خبزه يصبح أكثر عرضة للابتزاز السياسي والاقتصادي، وأكثر هشاشة أمام الأزمات الداخلية والخارجية. لذلك فإن أي خطة حقيقية لإعادة بناء سوريا يجب أن تبدأ من سؤال بسيط لكنه عميق: كيف نعيد للفلاح قدرته على الإنتاج، وللمواطن حقه في رغيف كريم، وللدولة دورها في حماية الأمن الغذائي؟
هذه الحلقة لا تقدّم وعوداً سهلة، ولا تكتفي بتكرار الشعارات. بل تحاول فتح نقاش واقعي حول واحدة من أخطر الأزمات التي تمس حياة السوريين اليومية: سعر الخبز، توفره، جودته، ومستقبل القمح في سوريا.
في النهاية، تبقى الأزمة مفتوحة على خيارات صعبة:
هل تعود سوريا إلى سياسة دعم المحاصيل الاستراتيجية؟
هل تنتقل إلى سوق مفتوحة بالكامل؟
أم تختار طريقاً ثالثاً يوازن بين حماية الفقراء وتشجيع الإنتاج وإعادة بناء الثقة مع الفلاحين؟
Syria’s Wheat Crisis: The Poor Man’s Bread Between Economic Collapse and Strategic Solutions
Why is wheat often described as the “bread of the poor” in Syria? And how did a country that once came close to self-sufficiency in wheat become heavily dependent on imports and vulnerable to bread shortages?
In this episode of “Geopolitics and a Touch of Logic,” journalist and researcher Issam Khoury examines the wheat crisis in Syria from an economic, political, and strategic perspective. The discussion explains how Syria’s wheat production, which reached nearly 4 million tons annually before 2011, has declined sharply in recent years, creating an estimated deficit of around 3 million tons and deepening the pressure on ordinary Syrian families.
The episode explores the roots of the crisis, including the impact of war, climate change, soil degradation, water shortages, weak agricultural planning, and the absence of stable institutions capable of supporting farmers and protecting food security. It also looks at the global wheat market and the difficult choices Syria faces between importing from Russia, Ukraine, or other suppliers amid rising transportation, insurance, and financing costs.
Beyond numbers and statistics, the episode raises a central question:
Should Syria return to strong state support for strategic crops, or move toward an open market model?
The answer may lie in a balanced approach that protects the poor, encourages farmers to return to production, and treats wheat not only as a commodity, but as a matter of national security.
This episode aims to open a realistic public discussion about one of the most urgent issues affecting Syrians today: the cost, availability, and quality of daily bread.

